اضغط هنا لجعل :::: جدارية :::: صفحة البداية لديك ــــــــــــــــــــــ
فتح باب الترشيح لجـــــــــوائز المرحوم الحاج هائل سعيد أنعم الدوره الرابعة عشر 2010 و الخامسة عشر 2011م ..

مشروع إعداد أفلام قصيرة جدا ( عشرين فلم = ستين دقيقة)

مكتب جدارية الاعلامي

 
برنامج فعاليات وأنشطة تريم عاصمة للثقافة الإسلامية 2010
قائمتنا البريدية

بريد رئيس التحرير

حوار خاص
مع الروائي اليمني
علي المقري
حوار مع القاصة اليمنية
فاطمة رشاد ناشر
نقش
صالح الطراونة
أحمد مطر

بحث في جدارية
بحث متقدم

موقع ملكة سبأ

جيران

520674
المشاركة
  »  قصائد كردية  »  الكاتب الصحفي ناظم السعود يصدر كتاب ( الرائي )  »  مهزومةُ مثل حروب قديمة :فرات إسبر  »  صدور "جمال الروح" لمنى لقمان  »   أحمد الشهاوي يكتب القصائد الواصفة :محمد الغزي  »  محمد الغربي عمران .. يتلو ( مصحف أحمر) :أحمد المؤذن  »  أحمد زين يكتب الذات اليمنية المنفصمة :مودي بيطار  »  شعراء عراقيون يطلقون مجلة «بيت» في بيروت  »  إحدى عشرة قصة للأطفال من روائع القصص المكتوبة بالألمانية صدرت عن مشروع كلمة  »  أنا واللغات :همبر خاني
سرد
الثلاثاء , 2 مارس 2010 م
طباعة أرسل الخبر
فصل من رواية مصحف احمر للكاتب اليمني محمد الغربي عمران
 
خاص - جدارية

الشكر الجزيل
للدكتور عبد العزيز المقالح
الدكتور عبدالله البار
الدكتور حاتم الصكر
الدكتورة أمنة يوسف
الأستاذ محمد عبد السلام منصور
ألأستاذ عبد الوهاب الحراسي
الأستاذ علي ربيع
والأستاذة نجاة باحكيم
والزملاء في إتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين
والأصدقاء في نادي القصة (إل مقه)



حنظلة

\"1\" وحيدي حنظلة. 
هذا هو شهر أغسطس من عام 2000 .. فيه حاصرتني مشاعر الوداع.
هي المرة الأولى التي تحس فيها بالرهبة من مقابلة جدك (العطوي ).. لحظات الوداع .. تستعد للإقلاع في رحلة إلى بغداد .. لم نفكر يوما بأنك ستتركنا لتغادر خارج اليمن. 
المسافة بين (صنعاء) وقرية جدك.. (حصن عرفطة) سبعة وعشرون كيلو متراً غرباً.. أقنعتني بأن تودع جدك دون أن تخبره بسفرك لدراسة الطب.. وعدتني بمهاتفته عند وصولك العراق.
أتتذكر حين عدت من القرية.. حكيت لي مشاعرك.. أتخيل اضطراب قلبك لحظة طرق الباب.. يطل بوجهه الضاحك .. ذقنه المهندمة .. يمد ذراعيه ليحتويك.. هي المرَّة الأولى التي ترتجف فيها.. يرفع صوته: \"ما هي أخبارك يا حنظلة؟\" هذه هي خطوات الترحيب لديه .. يركز النظر في عينيك .. تتقدم عبر الصالة .. تدخل الغرفة الجنوبية.. المصحف الأحمر الكبير على كرسي القراءة.. تقترب بوجهك من صفحاته.. تقرأ:\"وقال داوُد لسليمان ابنه.. تشدد وتشجع واعمل,لا تخف ولا ترتعب لأن الرب الإله إلهي معك لن يخذلك ولن يتركك حتى تكمل كل عمل خدمة لهيكل الرب\"\".. تُقلِب عدة صفحات لتجد مؤشراً ثانياً على الآية:\"وبينما هو يتكلم بهذا رفعت امرأة من بين الجمع صوتها قائلة له: طوبى للبطن الذي حملك.. والثديين اللذين رضعتهما.. إلا أنه قال: بل طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها.\" تقلب صفحات أخرى.. لتقرأ: \" قال ربِ إني وهن العظمُ مني واشتعلَ الرأسُ شيباً ولم أكن بدعائكَ ربي شقياً \" تقفل المصحف.. تتأمل.. تودع تضاريس غرفة جدك.. رشاش(كلا شنكوف) معلَّق فوق النافذة .. عدة صور على الحائط .. مرآة .. مساند.. صندوق خشبي قديم.. سجادة. خاص جدارية
أتخيلك تهرب إلى الغرفة الشمالية ..غرفتك التي كنت تستذكر دروسك فيها حين تمكث في القرية.. تستنطق زواياها.. فوق النافذة تتكئ على (القمرية) صورة لك إلى جوار جدك ..التُقِطت سنة1994.. تحتضن باقة من أغصان القات بين ذراعيك.. تتأمل وجه جدك.. الملامح الباسمة .. والشال الملفوف على الرأس شبيهٌ بضمادة هندية .. عينان صغيرتان وشارب حليق .. قارنت بين ملامحك وملامح وجهه:
العينان.. الأنف.. لون البشرة .. حتى الابتسامة..نسخة مصغرة لوجه جدك دون تجاعيد .. يقولون بأنك ورثت عنه الكثير من ملامحه .. في الجدار الآخر لوحة لفتاة مجنحة تطير.. أطرافها حوافر خيل.. عدة كتب على رف علوي. 
تتقلب في ظلام غرفتك..هدوء مطبق إلا من ضجيج أفكارك.. هذا جدك يحتل حيزاً من تفكيرك.. قلقاً من صباح الغد .. تفكر في كيفية إخفاء سرك. 
حاولت التخلص من كل ما يشغل تفكيرك..الاستعاضة باصطياد ذرات النوم .. ملامح جدك ترتسم هلام وسط ظلام غرفتك..نظراته..ابتسامته, أغمضت جفنيك متلمسا خيوط النعاس .. بعد محاولات أصطادك النوم.. لا تدري كم من الليل مضى حين تهادى إلى سمعك صوت جدك يتلو صلواته.. موسيقى دون أوتار.. تقفز من نشوة إلى أخرى .. يرفعك في معارج النقاء.. حتى لكأنك لم تعد تدرك أأنت في حلم أم أنك لم تنم بعد ؟! حاولت استعادة النوم .. جاهدت .. صوت جدك يملأ المكان بمشاعر تبكيك.. رنين أجراس تختلط بصهيل خيول لا تُرى .. تغمض عينيك من جديد ..تفقد القدرة على الرؤية .. لم يمض وقتٌ حين توهج زجاج الفجر.. زقزقة العصافير.. رائحة الخبز..فتحت النافذة.. أطليت على الوادي السحيق.. بدايات ضوء الأفق .. رياح باردة .. سفوح المنحدر امتلأت بورد أصفر.. زهور الطلح والطنب .. مجرى السيل أخدود تسكنه الحصى .. بقع الوادي.. حقول شجيرات القات تناثرت.. صفوف الجبال تحتضن مشاعرك.. قرى يتنفسها الفجر.. كل شيء ساكن إلاَّ من أعمدة دخان.. فلاحون يسابقون الضوء على منحدرات الوادي.. ينفضون عن أغصان القات قطرات الندى.خاص جدارية
في علياء القرية بقايا (حصن عرفطة) يطل من ربوته كشيخٍ طاعنٍ في السن بعد أن فقد معظم أجزائه .. مازالت بقايا جدران بنوافذها وأفاريزها الملونة تقاوم بعد نسف أجزاءه العلوية في عام 1981م بإيعاز من شيخنا.
عند بزوغ قرص الشمس ودَّعت جدك متحاشياً النظر في عينيه.. حاولت أن تختصر فترة العناق فيما هو يمعن الإطالة.. بلعت رغبة البكاء .. سمعت جدك يردد: 
- الله معك يا حنظلة حافظاً ورفيقا.
رددت عليه وأنت تخطو خارج البيت:
- الله معك يا جد.
لوحت بيدك.. عيناك مغلفتان بالدموع. 
شقَّت السيارة طريقها وسط القرية ..تفر الدجاج من حولها..كلاب .. أطفال وعجائز فاغرون أفواههم.. رائحة المواقد من شقوق الدور العلوية .. لم تستطع كبح دموعك ..هدير السيارة خارج أطراف القرية صاعدة تعرجات الطريق نحو الجبال الشرقية.. تمنيت لو أنك تحلِّق تحت سماء القرية لترى جدك الواقف أمام باب بيته.. طوال الطريق تحادث نفسك: \" لو أني أخبرته بسفري .. هل سيتقبل الأمر ؟.. لو رد عليَّ بالرفض !! هل أمتلك القدرة على مخالفته؟ سامحني يا رب! ساعدني في أن أكتب إليه معتذرا..سأشرح له كل الملابسات.. أنا على يقين من أنه سيغفر لي!\" 
حين صعدت السيارة المرتفعات ..التفتَّ .. أمعنتَ النظر في القرية.. لسان صخري.. بقايا حصن عرفطة.. وديان غائرة.. جبال عالية تشبه ملامح جدك.. تتداخل لترسم ابتسامته .. كل شيء هادئ إلاَّ من ضوضاء روحك. 
أغمضت عينيك تستحضر أيامك الماضية.. لحظات الصباح الباكر حين تهبط الوادي برفقة جدك.. تساعده في قطف أغصان القات وبيعها.. ترافقه ليلاً لحراسة الوادي..تطرب لنباح كلاب الليل.. عواء ذئاب الجبال.. دوي الرصاص بين فينة وأخرى.
أكملَت السيارة الطريق الترابية.. انطلقت شمالاً على طريق معبد باتجاه صنعاء.. قرى تأتي مسرعة..وأخرى عالية تعشش دورها على شفاه المرتفعات.. وتلك تتخذ من السفوح مهاجع لها .. على سفوح الجبال مزارع القات تزاحم شجيرات البن الخضراء.. الهضاب احتلتها عرائش الكروم.
مدينة صنعاء تومض بياضا من بعيد.. سهل مستطيل تحرسه قلاع الجبال العالية.. صفوف سوداء من الغرب والشرق ..سهل موزعةٌ ألوانه بين الأسود والترابي .. مربعات خضراء لحقول البطاطس والبرسيم .. المدينة مآذن حجرية باسقة ..بياض قبابها.. في البدء ولدت وثنية.. ثم يهودية خالطتها المسيحية.. لا أحد يجزم ما تخبئ لها الأيام من مسرات.. يحتضنها طقس بارد.. تحاول عيناك اختزال ما تشاهده..أسوارها الطينية.. دورها الياجورية .. شوارعها المتربة .. الواجهات المزخرفة .. زحام باعة أرصفتها.
عزيزي حنظلة..خاص جدارية
حين كنت انتظرك..أنظر إلى مؤشر ساعتي.. تبقَّى على إقلاع الطائرة عدة ساعات وأنت لم تصل بعد.. أرتب حقيبتك: كعك بالمكسرات..زبيب.. زعتر .. بن.. حبة البركة .. علبة زبدة .. برطمان عسل .. عطر.. أمشاط .. كريمات ومعاجين.. أستنشق رائحة ملابسك.
كُنتَ سعيداً لاهتمامي بك.. أستحثك سرعة الانتقال إلى المطار.. خرجنا..أزقة مرصوفة.. دور متراصة..نسير تحت أقواس حجرية عالية.. بمحاذاة سور طيني طويل.. عبرنا باب اليمن.. قُلتَ لي مبتسماً:
- هناك متسع من الوقت يا أماه قبل إقلاع الطائرة. 
- ماذا تعني؟ 
- بي رغبة لأن أودع صنعاء !
- ماذا تقصد؟ .. يجب أن نصل إلى المطار مبكرين .. هناك من ينتظرنا ! 

- من تقصدين؟!
- خمن من يكون!
- أصدقائي!
- بل من أقرب أقربائك!
- أيعقل أن يكون جدي!
- لا!!
- زوجته!!
- لا.. لن تستطيع تخمين من يكون! 
نطقت عبارتي وتركتك للحيرة.. بعد صمت قلت لك: ستغادرنا بعد لحظات.. ستجرب قدرتك على مواجهة الحياة .. أناس لا تعرفهم.. سترحل قطعة من روحي .. ولولا حبي لك لما وافقتك على السفر، لن أقول لك إني سأشعر بالوحدة .. وإني أفتقد العالم بمغادرتك.. وإني امرأة دون أجنحة .. وإن سمائي ستكون كئيبة.. وأوقاتي ستفقد بهجتها.. بل سأقول إني أكثر سعادة وأنا أودعك لتعود طبيباً.
أتذكر تلك اللحظات حين صَمتُ تمسح عينيك الغارقتين بدموع مفاجئة.. لم تسعفك الكلمات.. تصنعت الانشغال بالبحث عن شيء ما ناظرا إلى سماء صنعاء .. تتأمل الشوارع المؤدية إلى المطار .. دور المدينة.. قمم الجبال . قلت وأنا أراقب عقارب الساعة: 
- لا تتذمر .. حديثي لك حديث من امتلأ قلبها سعادة بابنها.. وأنت تحقق أحلامك.. سأظل أصلي لسلامتك ..أدعو الله أن تعود سالماً غانماً.
- لن أنساك لحظة .. وكم أتمنى أن يغفر لي جدي. 
- ما أنت إلاَّ قلبه الذي ينبض بالحياة .. وعيناه اللتان يرى بهما الدنيا.. فكيف تقول هذا ؟ 
كان أريج الحديث يتدفق طوال الطريق.. لذة الكلام تتوالد دفع لذيذة .. احتضنك..أتأمل عينيك مبتسمة.. أسألك:
- كيف سأكون بدونك؟
- سأهاتفك حين أصل، وفي كل يوم!
- فقط أرجو أن تتذكر بأنك وحيدي.. وأنك أملنا الذي ننتظر عودته. 
- وأنتِِ كل الدنيا .. هي أشهر معدودة وأعود إليكم.
أتتذكر حين طلبت منك أن تسمع بعض حكايات جذور أسلافنا.. قلت لك:
- هل أحكي لك حكايات أسلافك؟
- يسعدني ذلك. 
- إذاً سأحكي لك عدة حكايات .. قد تراها حكايات ساذجة .. لكنني أشعر بمتعة حكايتها:
- هيا أحكِ.
الحكاية الأولى تقول: إن محارباً قدم من الأناضول ضمن جنود الغزو العثماني الأول لليمن..حارب سنوات.. وحين قرر الأتراك الرحيل.. فضل ذلك المقاتل الاستقرار في صنعاء.. تزوج .. امتهن تجارة السجاد القديم.. ويقال إن ذلك الجندي هو جدك الأول . 
وحكاية أخرى أبعد من الأولى زمنياً.. يُحكَى: أن الجد الأول قدم ضمن جيش أبرهة الحبشي كقس يسوعي ..هو صاحب فكرة إنشاء كنيسة في جنوب شبه جزيرة العرب كمركز متقدم للإيمان.. أقنع أبرهة.. وسريعاً ما أنشئت كنيسة(القليس) في قلب صنعاء القديمة.. أضحى ذلك القس راع للكنيسة.. حتى بعد هزيمة أبرهة وفيلته في الحجاز.. وعودته إلى صنعاء.. ثم رحيل (الأحباش).. كان ذلك الراعي قد اختار الاستقرار وأمسى من سكان صنعاء....ومن بعده ابنه ثم حفيده.. وحفيد حفيده حتى اليوم. 
الحكاية الثالثة.. وهي المتداولة: أن الجد الأول.. أحد وجهاء(مأرب).. قدم من أطراف الصحراء الشرقية نحو المرتفعات الجبلية بعد أن نفذ خدعة بسيطة.. وقع ذلك في أواخر عصر الدولة السبئية.. كان خبيراً بأحاديث النجوم .. ومن ذوي الأطيان التي ترتوي من مخزون سد مأرب .. حدثته النجوم عن قرب انهيار سدهم العظيم.. فكر في حيلة للرحيل قبل الانهيار.. مسرحية لتكن مبررا لبيع ممتلكاته الثابتة .. أتفق مع أحد أبنائه بأن يعلن العصيان عليه.. اختار الأب السوق الشهري لمدينة مأرب.. وعند ذروة الزحام افتعل الابن خلافاً مع أبيه.. شتمه وهوى بكفه على صدغه وسط دهشة الجميع !! أقسم الأب أن لا يبقى في أرض أُهينت فيها أبوته.. معلنا عرض جميع ممتلكاته للبيع.. انتشر الخبر.. تنافس الجميع على شرائها.. نجحت الخطة ليرحل الأب بقطعانه نحو المرتفعات.. ومن ثم تبعه أبناؤه بعد حين .. وقد تحولت حيلته إلى لعنة.. مات كل أبنائه عدا أكبرهم.. وهكذا ظلت سلالته قائمة على الذكر الواحد.
الحكاية الأخيرة تقول: إنه قدم من شرق البحر المتوسط في القرن الثاني لميلاد يسوع المسيح.. هارباً من الاضطهاد الديني هناك.. التقاه التبع أسعد الكامل في شمال يثرب..وكان عالما بأصول الكهانة.. استحسن التبع ضمه إلى كهنته.. ثم رحل به جنوباً حتى عاصمته .. ليتدرج في مراتب الكهانة حتى وسمه أسعد الكامل بكبير الكهنة.. ويقال إنه مَن أعد قواعدّ محاكمة كل من كان على غير اليهودية.. وكان (أخدود نجران) ومحرقة من تمسكوا بتعاليم يسوع المسطر في الكتب السماوية من أفكاره.... ولهذا حلت لعنة الذكر الواحد على ذريته حتى اليوم.. فالسلف الأول جاء بولد واحد .. وهكذا الذي يليه.. لتستمر ذريتنا مهددة بالزوال.. وسط محيط تحكمه القوة والعنف.
وقد تنبأ أحد السالكين بزوال تلك اللعنة.. إذا جُمِعت الكُتب السماوية في حروفها الأولى.. أخذ أجدادك بالبحث في خزائن صنعاء لجمعها في مصحف واحد.. قرون من البحث.. أستمر الأجداد خلفاً بعد سلف.. حتى جمعت الكتب.. مع شيء من مبادئ الصابئة والبوذية من أسواق صنعاء.. وتقول النبوءة: \"ستزول تلك اللعنة في الجيل السابع والسبعين\" ولهذا يحمل جدك المصحف الثلاثي أينما ذهب.. فالجزء الأقدم منه التوراة.. وبدايته تعود إلى الجد الأول والذي توارثهُ أحفاده منذ مئات السنين.. والجزء الثاني للإنجيل بالحروف السريانية.. ثم الفرقان بحروف غير منقوطة.. تتكون أوراقه من جلد الماعز الجبلي.
صمتُ أنظر وقع حكاياتي على نفسك.. كمن خالطك سحر.. قلت وأنت تفكر:
- حكايات شيقة.. لم يحدثني أحد بها..لكني موجودا وكفى.. ولن تغير تلك الحكايات ما أنا عليه.
أجبتك مشفقة:
- ستدرك يوما أهمية أن يكون للفرد حكايته الخاصة.. حين تبحث عن ذاتك.. الإنسان بحاجة إلى ما يميزه.. حينها سيتحرك شيء ما بداخلك لتحكي. 
- سأتخيل أن ذلك قد حدث.. فأي حكاية أنتسب إليها ؟
- أن تكون ما تنوي على فعله.
- ما الحكمة من أن أنتسب أو لا أنتسب؟
- ستعلمك الأيام .. وستدرك أن الإنسان يظل جاهلا لذاته.. وعندها يبحث عما يلبي غروره.
- كيف ؟
- كل فرد يظل يؤمن بصفة الاختلاف والتميز..ولهذا تختلف أقدارنا عن أقدار سوانا . 
- سأنتظر الغد.
- نحن جميعاٌ رهن الغد.. محكومون بانتظاره.
وصلنا الشارع الأمامي للمطار..واجهات معدنية. مواقف انتظار السيارات شبيهة ببئر عميق .. حركة رتيبة .. أزيز.. زوايا معتمة.. ملامح وسِحَن مختلفة.. جنود.. جدران زجاجية.. صالة يملؤها الضجيج.. ألوان وروائح جديدة.. عابرون في كل اتجاه. أبحث عن مقعد لخفقان قلبي.. في وجوه الحاضرين..أحدث نفسي: \"لقد وعدني\" .. لم يتمالك قلبي حين بدأت إجراءات وزن أمتعتك.. أتابع تحركاتك..عُدت إليَّ مستأذناً:
- لا أحد في وداعي غيرك..أين من قلتِ إنه سينتظرنا؟
- حتما هو بين الزحام.
أحسستُ فجأة بدنو لحظات الفراق..أرتفع نبض قلبي.. احتضنتني مواسياً:
- لن أكمل إجراءات سفري إذا طلبتِ مني ذلك!
- سأكون بخير.. هي فقط مشاعر اللحظة..اطمئن سأكون بخير.
لمحت (تبعة) هناك حين التفتُ أبحث عنه.. لقد صدق: ملابسه بلون البُن ..نظارة تغطي نصف وجهه..نهضتُ ملوحة..أشرتُ عليك: 
- أنظر من أخبرتك أنه سيأتي لوداعك!
التفتُ أنت وقد اقترب نحونا بخطوات مرتبكة .. رجل أقترب من الأربعين.. بوجه صغير.. ضامر الجسد.. انحسر شعر رأسه.. تهتز قامته بشيء من الإعاقة.. لف جذعه بفوطة فضفاضة.. اعتصرت أنت ذاكرتك.. يبدو لك وجهه مألوفاً..أيقنتُ أن ذاكرتك خانتك.. مشاعر الإحراج تجتاحك فيما هو يقترب .. مد كفه مصافحاً..علت وجهي ابتسامة.. التفت أحتضنك وأنا أحدثه:
- هذا هو حنظلة ابنك!!!
وقف يتأملك ..فارداً ذراعيه مبتسما!!
- حنظلة.. ابني العزيز.. لقد أصبحت رجلاً!
بادلته بأحضان فاترة..تحدث نفسك.. أيعقل أن يكون هذا أبي؟ تبحث في تلابيب ذاكرتك.. في حكاياتي.. جدك.. زوجة جدك.. نساء القرية حين يتحدثن عنه..أمطرك بكلمات الثناء .. تراجعت أنت إلى الخلف وابتسامة مصطنعة على ملامحك.. أنكرت أن يكون ذلك الرجل هو( تبعة..) همست في أذني: \"أين ما رسمتِهِ يا أمي\" تتأمله من جديد..بقايا إنسان. 
جلسنا على مقعد جانبي.. تسترق إليه نظرات عجلى.. أزال تبعة نظارته.. عينان غائرتان....ملامح مشوشة.. تبحث أنت عن ذلك الفارس الذي تختزنه ذاكرتك.. فرد ذراعيه مرة أخرى.. احتضنك.. أجلسني جوارك.. وقف خطيبا.. بحركات مسرحية يحرك يديه :
- ابني العزيز.. يا من سميتك حنظلة.. زوجتي الغالية (سمبرية).. حبيبتي..فاتنتي.. اليوم أقف بين أيديكم لأعتذر.
توقف عن الحديث.. لحظ الجموع تحاصرنا في صالة الانتظار..واصل موجها حديثه اليهم: أيها الناس أشهدكم .. هذا هو ابني الوحيد.. وهذه هي زوجتي.. إني أعتذر لهم عن تقصيري.. أتصدقون؟ لن تصدقوا إذا قلت لكم :أني أقابل ابني لأول مرة ..أنا لا أعرفه.. وهو لم يرني منذ مولده.. لكن أرجوكم انظروا.. أليست ملامحه هي ملامحي..؟ أنا مناضل كبير.. لم أتخلَ خوفاً أو جبناً.. بل كنت أحاول أن أرسم حلمي..حلم اليمن الواحد.. الموحد بالحرية والعدالة.. أنا مقاتل وحبيبتي سمبرية تعرف ذلك .. مناضل مخلص لوطني..ولهذا لم أرَ ابني.. الأن لا أزال مطارداً .. مهدداً بالقتل في أي لحظة..!! هذه إصابات جسدي.
أخذ يخلع ملابسه وهو يتحدث.. يشير إلى مواطن الإصابات.. وقفت محاولا مساعدته.. قال أحدهم: 
- عجوز مخمور.
شعرت بطعنة في قلبي..قُلتَ أنت لتبعة مواسياً:
- عفوا.. نحن بين الناس؟
- ألم تخبرك أمك؟ 
التفتَّ إلي.. إلى عيون من حولنا .. دوائر الخجل والحيرة تحاصرك: 
- أماااه؟ بقدر سعادتي لحضوره حزني على ما هو فيه. 
رددتُ عليك مرتبكة.
- إنهُ والدك!!
حركت كلماتي إحساسك .. حاولت تهدئتك..لاحظت أن تبعة غير متماسك في خطواته..همست لك: 
- كثيرا ما سألتني بشوق عنه.. وكثيرا ما حدثتك..اليوم جاء لوداعك.. عليك أن تعذره.. لم أكن أعلم أن حالته بهذا السوء!!
لاحظ تبعة همسنا.. صرخ : 
- يبدو أنني أخطأت المجيء! 
ثم رفع صوته أكثر موجها حديثه لمن في الصالة :
- أعترف أن مخاطرتي بالمجيء كانت في غير مكانها.. اشهدوا أيها الجمع أنني أعترف بخطئي!!


سمبرية
\"2\" ابني الغالي حنظلة
غامت الأضواء أمام عينَّي.. تداخلت الألوان.. الروائح.. إحساس مشوش.. سقطت بين يدي تبعة.. جاهد في إفاقتي.. نطقت بجمل غير مرتبة.. نظرات البعض تضايقني.. حدثته : 
- الله يخبو بداخلي من جديد.. كنت مخطئة حين رجوتك بالمجيء لوداعه .. أراك تبتسم كالأبله.. لا كمن يفارق ابنه.. أنت لست تبعة..!اعترف..!! 
- فضحتينا .. لست أول من تفارق إلِفها .
- أنت من فضَحتَنا.. أنا من ظللت طوال تلك السنين أرسم لك صورة فارس.. ثم تأتينا اليوم مخمورًا تترنح!!
- توقعت أن تستقبليني بالأحضان بعد كل هذه السنوات!
- لقد حاولت.. لكنك لم تعطني فرصة .. أريد أن يتعرف عليك ابنك.. وأنت فاقد التوازن!!
- أعتذر لك!
- تعتذر لي.. ومن يعتذر له؟
- أنتِ من تستحقين الاعتذار .. هيا انهضي.
بدأت أستجمع قواي.. عيني تبحث في محيطها عنك.. ملامح صالة المغادرين.. لا أحد يشبهك.. أحدق فيما حولي: فواصل زجاجية.. أضواء.. أسقف لامعة..مقاعد.. أقدام.. سيقان.. قامات مختلفة.. مؤخرات.. وجوه.. لوحات إعلانية.. مكبرات صوت.. زحام.. وجوه غير مألوفة.. لف ذراعه يستنهضني.. أنعشتني رائحة جسده.. لأول مرة أسير بين الناس ملتصقة برجل.. كما لو أني لم أعد أنا.. لم يعد يهمني شيء..عند بوابة الخروج همست ارجوه: 
- لا أريد مغادرة الصالة.. علينا الانتظار .. قد يعود فلا يجدني !
- هو الآن في الفضاء .
- أخاف انه لا يزال بالداخل!
كنت أحدثه بصوت لم يعد صوتي.. أنظر الشوارع.. لم تعد كما كانت قبل رحيلك.. رجوت تبعة:
- نبقى قليلاً؟ 
- سنجول معاً في شوارع صنعاء قبل أن أودعك!
- أين ستذهب؟
- إلى مكان آمن لدى أحد الرفاق!!
إحساس بالضياع غلف مشاعري.. توغلت لذة الدموع في أعماقي.. أستقلينا سيارة أجرة.. قلت له: 
- قال لي حنظلة: إن الرحلة لن تتجاوز الثلاث ساعات .. وبعدها سيكون في بغداد.
- صحيح.
- إذن ستكون معي في البيت لنسمع صوته معاً.
- لا يمكن المخاطرة.. البيت مراقب.. ينتظرون وصولي منذ سنين !!
- إذن خذني معك .. لا تتركني!
- أين ؟
- أينما تريد .. المهم أكون معك.
نظر بعينين ذابلتين..ثم خرج صوته حزيناً:
- طوال الطريق من عدن وأنا أخشى هذا الموقف.
- المكان الآمن هو البيت.. هيا ؟ 
- تنتظرني فوهات بنادقهم.. يمكننا أن نكون معاً في أحد الفنادق الصغيرة!!
- سيرتفع جرس هاتف بيتنا ولا يرد عليه أحد .. لماذا تجعلني بعيداً عن صوت ابني .؟ أود أن أسمع صوته .. وعندها أنا على يقين من أني سأشفى من كمدي هذا. 
- ستكونين غداً في بيتك وستسمعين صوته .
- وأنت ؟
- سأختفي.. كُتب عليَّ التشرد أو الموت.

* * * 

اختار فندقاً يطل على باب اليمن .. نافذة على الشارع..انكفأت على السرير أواصل نحيبي .. امسح عيني .. أواصل النحيب دون هدف .. تبعة مشغول في دورة المياه.. يدندن لحناً قروياً تحت طرطشة الماء .
لاحظت عدم مبالاته حين خرج عاريا.. نحيلا أكثر مما يجب.. شعر صدره خالطه الشيب.. عروق أطرافه نافرة..ندوب وآثار جراح غائرة على ظهره.. ساقه اليسرى اعتراها نقص.. حدثت نفسي.. هل هذا هو ذلك الفتى الذي سيطر على أحلامي لثلاثة عقود؟ من ظللت أصفه لحنظلة.. من هِمت به عشقاً!!
أحسست بأن علي أن أستوعب ما أنا عليه.
سمعت صوته يحدثني وقد أنشغل ببسط أوراق جريدة على بلاط الغرفة.. أخرج من جوف حقيبته قارورة شراب.. عطر.. لفائف خبز..بقايا جبن أبيض ..عنقود عنب.. جلس القرفصاء... التفت مبتسماً:
- سمبرية انهضي اللحظة.. سنحتفل بسفر ابننا الجميل.
كنت ارقبه في عطف .. وجه شاحب.. نظرات ضبابية.. عريه الذي يظهر قوامه الهزيل ..كل شيء تغير.. لم يعد له غير صبره الذي يبدو أنه أفتقد بعضه.. كان يملأ وجودنا أينما حل ..همس مبتسما وهو يلوح بكأسه فرحاً: 
- الليلة سنحتفل..بنخب ابننا الجميل.
- أترك تلك القارورة؟
- اشربي لتعتريك النشوة وتنسي همومك.
- لن نحتفل بهذه الطريقة.
- سأشرب وحيداً!
- لما لا تكن دون كحول؟
- وكيف أفرح؟
- ألا يكفي أننا معاً؟!
- لا أستطيع إلا إذا شربت!! أرجوكِ شاركيني نخب حنظلة .. أن تكوني سعيدة .. أن نصلي من أجله .
- يكاد قلبي ينفطر حزناً .
- لا عليك.. هيا تجردي من ملابسك كما كنا نفعل ذلك في جبال القرية زمان .. أرى وجهك بهاءً .. وعيناك صفاءً .. وشفتيك لمعاناً.. أراك كما لو أن السنين لم تمر .. بل زدتِ أكثر جاذبية وفتنة. 
- كلماتك تذكرني بأنك ما زلت تبعة.
- اخلعي ما عليك من زيف. 
نهض منتشياً.. مد يسراه بكأس.. وبيمناه يرتشف كأساً آخر.
ارتمى جواري . احتضنني.. أخذ يدندن .. أجلسني على حجره.. أنزل إزاري .. لثم صدري .. حملني .. أزال ما تبقى من ملابسي. . كنت مترددة .. هبطت من السرير.. برودة البلاط لذيذة.. أغمضت عيني أستعيد فتاي القديم.. استحضر اللحظات القديمة تحت عرائش الكروم .. وفي كهوف قريتنا .. مساقط الشلالات .. تركته يشعل ذكرياتي..أظهرت تمنعي . 
عاريان بلوعتنا.. تأجج جوعي الكامن منذ زمن.. احتضن عريي هامسا : 
– دعيني أقبل قدميك .
بعث فيَّ شعور من تستعيد فتاها.. نثر لساني كلمات شبقة .. تصاعدت رغبتي باحتوائه .. لا استطيع السيطرة على نفسي.. صدرت مني آهة طويلة . 
استسلم لعبثي .. أتحسس بلساني أطراف شفتيه .. طعم الدم اللزج .. حاولت إثارته .. تجاوب مع رغبتي..واصل خلق اللذة ..اعتصرت جسده الناحل .. واصلت جنوني.. التحمت وسط عواء آهاته.. مرت اللحظات..
انفجر نشيجه وقد اختلط بصراخ قوي ! انقبض قلبي !! حاول التراجع من على جسدي .. تشبثت.. حاولت استبقاءه.. إبقاء نشوتي متوهجة.. أنسحب بعيداً.. صرخت كما لو أني ألفظ أنفاسي الأخيرة .. أجهشت باكية.. تمتم معتذراً.. هدأ كل شيء. 
اكتفى بالصمت .. خالجني حزن نازف .. شعرت بعجزه عن مجاراتي ..فيما تدفق على قلبي طغيان اليأس .. تركني كعادته دون اكتراث..عاد لاحتساء قارورته . 
كان غارقا في نشوة الشراب.. نظراته الضبابية.. العينان الضيقتان .. لا ادري هل هو ذلك الفتى أم أنه شيئاً آخر .. عريه يحيله إلى طفل كسير .. كل شيء تغير.. لم يعد له غير ذلك الشراب ليصنع فرحته الخاصة..أخذ يهتز طربا على إيقاع لحن تنفثه شفتيه.. قال لي بعد أن عب من فم القارورة:
- اليوم نلتقي بعد فراق عشرين سنة.. هيا دعيني أتأمل بهاء وجهك.. لمعان شفتيك.. أراك كما لو كُنت حلم.. الجنس لم يعد مهماً لدي. 
صعدت سريري..استلقيت عارية دون اكتراث.. استمر يحتسي شرابه مرحاً.
اقترب بياض الفجر. 
عاود محاولاته.. استسلمت دون تجاوب.. كلماته تخرج باكية.. أصابعه تنوح على ما تبقى من صدري.. سرتي .. عشب دُغلي.
شفتاه.. لم تتوقف.. تركته يعبث.. انهار باكياً من جديد.. يجلد ذاته بكلمات تخدش الحياء.. نهضت.. ضممته إلى صدري.. أواسيه بذكريات الماضي. 

ارتفعت أدعية التهجد من مآذن مجاورة.. صوت صلاة الفجر.. نهضت.. أتأمل آثار أظافره .. تخثر بقايا عضاته.. صدى مفرداته التي جعلت عواء جسدي أكثر جوعاً ..صوت نحيبه . 
لم يكمل معي ما تبقى..لبس في صمت.. حاولت أن أثنيه..كان عنيفاً..انصرف دون أن ينظر في عيني.. لم استجدِ تواصله.. أدركت أن رغبته بالحب تعودت على البراري.
اشعر بفقدانه.. ألفت أن أعيش على الذكرى..حل صمت وحدتي.. خرجت أهيم في شوارع صنعاء وحيدة.. ضاق بي إحساسي.
* * *
وليدي حنظلة..
عدت إلى البيت وحيدة..احمل جسدا لا أعرفه .. فتحت غرفتك كنت على يقين من أني سأجدك تنتظرني.. غرفة صامتة .. كتبك .. دفاترك على الرف.. صورتك مع عدد من أصدقائك .. صور لنجوم الرقص.. شهادة كرتونية معلَّقة .. سرير مبعثر كما تركته .. جهاز كاسيت.. أشرطة الموسيقى.. دببة ودمى ألبستها بعض ملابس طفولتك. 
جلست على طرف فراشك .. ابحث وجودك في المكان .. التقطت أحد دفاترك .. فردت أوراقك.. قلبتها .. خطك المحبب إلى نفسي .. استنشقت رائحته .. التقطت قلم الرصاص (hb2 ) ..أكتب إليك ضيق روحي.. إحساس الفراق.. أنا على يقين من أنك ستبتسم حين تقرأ ما أكتبه إليك.. لكنني وعدتك.. وها أنا أكتب إليك أولى رسائلي بعد ثاني ليلة غادرتنا .. أنا أعلم بأنك ستحاول أن تتفهم ما قمت به حين جمعتك بأبيك ..أب تسمع عنه.. لم تقابله منذ خلقت.. ستقدر حرصي على جمعه بك قبيل مغادرتك .. أن يكون في وداعك.. كان علي أن أتخلص من هم ظل يلاحقني.. أنا لست مسئولة عن تصرفاته.. ولا أتحمل وزر نزواته.. أعتبر لقاءكما انتصاراً لي..لقد نجحت في آخر لحظة.. الآن لا يهمني شيء.
أنتظر مهاتفتك كما وعدت.. قد تكون ظروف وصولك منعتك من الاتصال..أعتذر إن كنت قد بالغت في وصف (تبعة) طيلة سنوات خلت.. أكرر اعتذاري ..أرجو أن تعرف بأنني لم أبالغ.. لكنها السنين.. إضافة إلى ظروف حياته القاسية.. أو قد تكون عين المحب!! 
لكن يجب أن تعلم أننا عشنا طفولة واحدة.. وعلاقتنا علاقة عضوية.. وعلي أن أعود بذاكرتي إلى سنوات طفولتي وتبعة في (حصن عرفطة) حتى تعرف.. أكره أن أقف موقف عزاء لحياة عشتها.. اليوم أنت شاب مكتمل النضج.. ولهذا سأكتب إليك مشاعري بكل صدق.
بعد أن اختفيت في صالات المغادرة..اكتشفت ضعفي الشديد ..هذه الليلة الثانية من وداعك دون نوم.. أحس بوجودك في بيتنا.. أبحث عنك.. أشعر بأنك ستظهر فجأة أمامي.. أجلس على حافة فراشك.. أضع الشراك لقلقي .. ومن خلال الكتابة إليك أروض أحاسيسي بقبول الواقع.. تغلبني عاطفة الأمومة.. أرجو أن تتواطأ مع أمومتي..اليوم عرفت أنك لم تكن ابني فقط..بل صديقي.. سأتغلب على خجلي وأكتب إليك كما لو كنت أكتب إلى نفسي.. أجدني مُنساقة للكتابة دون توقف.

عزيزي 
حصن عرفطة يوم ولدت.. حصن يضم عشرات الأسر.. يقف وحيداً على لسان صخري ..يشرف على فضاء وادي سحيق.. تتفرع حوله الوديان الغائرة.. سكانه في تكاثر دائم منذ مئات السنين .. مساكنهم شبيهة بأعشاش الطيور.. تتداخل في جهات وتتبعثر في جهات أخرى.. دور متلاصقة.. طوابق متداخلة.. أسطح في مناسيب مختلفة.. يدخل السكان ويخرجون من بابه الكبير.. يسيرون في أوردته المتعددة.. أزقة وزرائب.. سلالم حجرية في كل اتجاه. 
قبل أن أخرج إلى الدنيا بعقود وفد إليهم رجلٌ غريب ..تتبعه نساؤه ومواشيه الكثيرة..استضافوه سبعة أيام..طلب البقاء.. رفض السكان بقاءه داخل الحصن..استأذنهم ليبني داره على نتوء قبالة بوابة الحصن.. أعد وليمة كبيرة بعد أن أكمل بناءه.. دعا إليها كل سكان حصن عرفطة.. ثم أخذ يتقرب إلى بعضهم.. يقرض البعض.. يحل نزاعات البعض. 
تطورت علاقته بسكان الحصن.. أضحى ذلك الغريب أقرب الناس إليهم.. نصبوه شيخاً عليهم.. خلال سنوات أمست كلمته هي النافذة.. لم يلبث أن مد نفوذه إلى القرى المجاورة.
منزلنا في غرة الحصن..يعلو منزل جدك بسطحين..حين نزوره.. نهبط من سطح إلى آخر.. ثم إلى سطح جدك .. سبع درجات حجرية هبوطا إلى فسحة مشمسة.. للحصن عدة دروب داخلية وعدة سلالم .. ظل يمثل لي متاهة حقيقية. 
مات أبي قبل أن أستوعب ملامح وجهه.. ترملت أمي ولم يتقدم لها أحد.. وكثيرا ما تردد أنها نذرت حياتها لتربيتي.. والوفاء لذكرى أبي.. تكرر رفضها لعشرات العرسان.. وأنها .. وأنها.. والحقيقة أن السبب في ترملها طبيعتها التي لا تطاق.. ثرثرتها وعدم كتم أي سر..تُسيرها رغبة دائمة لنشر ما تسمعه.. حتى الكلام العابر.
دربتني أمي على بعض أعمال البيت.. جلب الماء.. أعمال الحقل..ثم رعي غنماتنا.. (تبعة) يكبرني قليلا.. نتعلم فك الخط على يدي فقيه القرية..في البداية عارضت أمي أن أكون البنت الوحيدة بين مجموعة من الصبيان..لكن جدك أقنعها بأن تبعة سيهتم بي.
وحيدي الغالي
في العام الثاني للقحط.. واجهتنا محنة سجن جدك.. الذي كان في شتاء عام1977م حين بلغ الجوع مبلغه.. سكان حصن عرفطة لا يجدون ما يأكلون.. المواشي تنفق..حتى الكلاب والحمير.. قصد السكان وبينهم جدك باب شيخنا..الذي خرج مبتسما:
- أتيتم في طلب الطعام.. أليس كذلك!؟
تقدم جدك مخاطبا الشيخ في خضوع:
- اشتد القحط..ولا يملك رعيتك قوت يومهم.
- وما هو المطلوب مني؟ 
- أتيناك لتقرضنا بعض الحبوب.
- وكيف تسددونها !
- نتعهد أن نعيد ما ستقرضنا إياه مضاعفاً!
- ظلم أن تعيدوها مضاعفة.. ما أريده مقابل الحبوب أرضاً !
- أرضاً!
- نعم حقٌّ بحق!
- لكننا رجالك ورعيتك.
- إذاً تريدون سرقتي!
- لا نفكر بذلك.. فلا تظلمنا!
حين سمع شيخنا من جدك تلك العبارة غضب رافعاً صوته:
- تتهمني بالظلم.. أنت من تقودهم لسرقتي !!
صمت الجميع..فيما تقدم شيخنا مهتاجاً.. هوى بعصاه عاليا ليهوي بها على رأس جدك.. تصارخت الحناجر مستنكرة.. أمر شيخنا عسكره بتفريقهم.. ارتفعت السياط.. تعارك الجميع مع الجميع.. كان تبعة يقف مذهولاً..لم يتمالك نفسه .. أخذ يبحث عن الشيخ بين المتعاركين.. قفز تحت دهشة الجميع ممسكا برقبته.. بطحه أرضاً.. أمطر وجهه صفعات.. فر البعض هلعاً.. تعاون العسكر على سحبه ..ألقوه أرضاً.. التفوا يحاصرونه بسياطهم.. أدخلوه مع من أدخلوا سجن شيخنا.. غطت وجهه الكدمات.. آثار السياط على جسده.. أستمر نزيف فمه.. يتأمل المكان.
جدار فاصل بين زريبة المواشي والبهائم.. روائح مخلفات البهائم تتسرب من عدة شروخ.. ضوء خجول .. يعرف تبعة من معه واحداً واحداًً.. همس لأحدهم:
- متى يخرجوننا من هنا؟
تعمد أن لا يسمع رده أحد!
- الجميع خائفون عليك!
- ولم الخوف؟
- قد يأتي العسكر ويقتصوا لفعلتك.
- أكثر مما أنا فيه. هل ستتركونهم؟!
- وماذا في أيدينا فعله؟
- لِمَ لا نخطط للهروب؟
- أعوذ بالله من أفكارك!
ألجمه منطق السجين.. بعد صمت .. همس ذلك السجين لتبعة مرشداً وناصحاً: 
- عليك أن تعود إلى صوابك..ولا تفكر البتة بالهرب.. الصبر أجدى.. ألا تعلم أن الملائكة حين تستقبلك بعد وفاتك.. ستسألك عمن هو ربك ونبيك وشيخك.؟.ولو أخطأت في الجواب.. حلت عليك لعنة الله وسخطه.
ثم أخذ يستشهد: \" وأطيعوا الله والرسول وأولِي الأمر منكم \" وشيخنا هو المعني بأولي الأمر في الآية الكريمة.. وطاعته من طاعة الله ورسوله ..كيف تفكر بذلك؟ الهرب عصيان ! ثم أين ستذهب إذا هربت ؟ يجب عليك أن تعرف أن سجن شيخنا طاعة وولاء!\"


اكتشف تبعة فتحة في أعلى الجدار الفاصل لزريبة المواشي .. بطول السقف.
فكر بتسلق ذلك الجدار ليلاً.. رسم في مخيلته ذلك الجدار .. اختزن نتوءاته .. شروخه .. المسافة الفاصلة إلى السقف.. هدأ حتى غمر الجميع النوم.. تأكد من سباتهم.. ليل طويل.. أرهف السمع .. الصمت يحاصر المكان .. ظلام ناضج.. نهض.. تسلق في بطء شديد .. تخيل نفسه سحلية ضخمة ..استمر بطيئاً.. لم يحدث ما يعكر تسلقه.. اكتشف أن المسافة أقصر مما كان يتوقع.. خفق قلبه فرحاً حين لامست أصابعه السقف.. الفتحة مناسبة لعبور جسمه الناحل.. دس رأسه أعلى الجدار .. روائح عطنة.. ظلام دامس.. يتخيل تضاريس الجانب الآخر .. عبر بجسمه..أمسك بأعلى الجدار.. تدلى بجسمه في فراغ.. تلمست إصبع قدميه عن فراغات .. شفاه أحجار الجدار .. أخذ يهبط حذراً.. بعد جهد لامست قدماه كتلة لدنة .. تبين أنه حيوان رابض.. سريعا ما نهض.. هاجت الزريبة .. هدأ قليلاً حتى هدأ كل شيء..لامست أقدامه أكوام روث.. بدأ يبحث عن باب.. سار في هدوء تستدلّ أصابع كفيه الحائط.. وصل أولى زوايا الزريبة .. قدماه تغوصان بطبقة لزجة من الروث.. صادف عدة أركان وزوايا صخرية.. يدور في حلقة مفرغة.. متاهة مظلمة .. الليل يمر.. عيناه في أوسع اتساعها .. لم يصدِّق أن كفه قد لامست خشباً وليس صخراً .. باباً على ما يبدو ..تعرفت أصابعه على الباب..زادت ضربات قلبه.. إنه ما يريده.. بحث عن المزاليج.. عاد إلى الوراء ..اصطدم بجسم حيوان كبير اقترب منه للتو .. في البدء خمن أنه ثور ..تملكه الذعر من المجهول.. ابتعد بشكل هادئ .. بحث في عجالة عما تبقى من مزاليج .. مرَّ الوقت وقد مسح الباب .. تسلق أعلاه .. كان للباب فرخ يتوسطه.. أخيراً اكتشف مزلاجاً ضخماً ينغرس في كوَّة صخرية .. أزاحه بعد جهد.. بدأ الباب العملاق يتحرك.. سحب أكثر.. أكمل فتح الباب .. أمامه خطوة ليكون في الخارج .. وهج لبني في سماء القرية.. صفعه تيار بارد .. شبح الحصن علي ربوته العالية.. سواد الجبال البعيدة.. ضوء الفجر يصعد الجبال الشرقية .. تذكر ما قاله له ذلك السجين ليلة البارحة :\" أين ستذهب إذا ما هربت ؟\" .. كان متردداً .. لم يفكر من ذي قبل في المكان الذي سيلجأ إليه.. اكتشف أن الحرية صعبة.. قرر أن يعرج على أبيه.. تسلل في حذر عبر بوابة الحصن.. ما أن طرق الباب حتى فتح.. احتضنه.. سأله بصوت مرعوب:
- كيف هربت؟ وجودك هنا خطر على حياتك.
- أنا في حيرة من أمري .. لقد أتيت إليك كي تُخبئُني!
- سيأتون فوراً إلى هنا للبحث عنك!
- إذاً أين أهرب؟
- أخرج من هنا الآن .. اتجه نحو الجبال الجنوبية ..أنت تعرف (مغارة الجن..) هناك عند قمم الجبال الجنوبية.
- نعم. 
- يمكنك أن تختبى هناك حتى نرى ما يكون.
خرج متسللا.. هبط منحدرات الوادي.. عبر مجرى السيل .. المزارع الترابية.. صعد التلال..السفوح.. الجروف.. كان ضوء الفجر أكثر قوة..ونجيمات السماء تختفي واحدة إثر أخرى.. وصل قمة الجبل..دخل مغارة الجن..أخذ يكتشف زواياها..موحشة ببقايا انفاس من سبقوه إليها.. وضع لحافه وصرة الخبز..عاد إلى حلق المغارة اقتعد حجراً.. أخذ يراقب قمم الجبال البعيدة تلامسها خيوط الشمس الآخذة ببسط لحافها على الحصن ووادي القرية. 


العطوي
\"3\"صغيري حنظلة.. 
بعد مغادرتك إلى العراق حل بقلبي الشعور بالفقد.. أبحث حولي عن شيء ينقصني.. عن أنفاسك صوتك.. تيقنت أن أسرتنا مصابة بآفة الفراق.. سؤال ينخر عقلي: لم كُتب علينا أن نعيش الشتات؟ هذا أنت تسافر.. تمر الأيام ولا تفكر برفع سماعة الهاتف.. أنتظر مكالمة منك تطمئننا عن أحوالك.. أتخيل صوتك يتدفق .. أهرول مسرعة لسماع جرس الهاتف.. أكتشفه شخصاً آخر وقد أخطأ الرقم.. كل الأصوات لا تشبه صوتك.. تبعة.. حين حضر لوداعك غادرني دون صدى .. زوجة جدك وحيدة في قرية الحصن منذ اقتياد جدك إلى سجن لا نعرف عنوانه .. وإن كان الجميع يعرف بأن شيخنا وراء احتجازه.. أمي تلك الثرثارة العجوز تركتنا إلى صمت لم نعهده.. لم تعد تهتم لشيء.. تفضل أن تركن إلى نفسها. 
ابني الغالي..
أنا لا أحدثك في رسالتي هذه عن سجن جدك القديم.. أنا أكتب إليك عن سجنه الأخير.. فبعد وداعك له بأسابيع.. هطلت أمطار لم تعرفها قريتنا من ذي قبل.
يردد سكان قريتنا أن العصافير اختفت من فضاء الوادي فجأة..صمتَت الكلاب.. ليحل أزيز ريح العواصف.. تطايرت ورود التين الشوكي..أشجار السفوح..حُجِبت الشمس خلف سحب أرجوانية هبطت لتغمر الجبال والوديان.. عاش الناس في ظلام دامس إلا من لمعان البروق.وأصوات الرعود.. سكبت السماء مياهاً غزيرة .. هدرت السيول جارفة كل ما في طريقها.. اقتلعت الأشجار.. صخور المرتفعات..طين الأرض. 
في اليوم الأخير خرج الرجال باتجاه منحدرات الوادي .. أطلَّت النساء من أسطح الدور.. شلالات لبنية تملأ أخاديد الجبال الجنوبية ..لم يجد جدك من يساعده بعد خراب الوادي .. كان يعزي وحدته وعجزه باستحضارك.
أغمض عينيه يتأمل حيرته .. يبتسم بمرارة .. يرقب تدفق السيول العالية .. وهو يتلو: \" ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون\".. تمتم : لو كان حنظلة هنا لأختلف الأمر .
ينشد: \" وفي الصباح.. في ميعاد تقديم المحرقة دوى هدير مياه متدفقة من طريق أدوم.. ففاضت الأرض بالمياه\" 
تسللت خيوط شمس ذاوية في استحياء.. صعد جدك وزوجته سطح المنزل.. خرج سكان القرية .. البعض تجمع عند أطراف اللسان الصخري المطِّل على الوادي ..عادت أسراب العصافير تنفض أجنحتها .. شلالات ناصعة البياض تخضب الجبال .. كلاب القرية تتسكع .. الوادي تغمره المياه .. نهر واسع بلون الطمي .. جذوع الأشجار تطفو إلى المجهول.. صوت جريان السيل يصم الأذان. 
- أين ذهب الوادي ؟ 
نطقت زوجة جدك بسؤالها وهي تتدثر بستارتها.. ليجيبها جدك في صوت حزين:
- سنعرف بعد أن ينخفض منسوب السيل . 
- لم يحدث هذا من ذي قبل.. أليس كذلك؟!
- بل حدث خراب شبيه بهذا قبل خمسين عاماً. 
غابت الشمس خلف الجبال البعيدة.. خيَّمت ظلمة حالكة من جديد .. عاد السكان إلى مواجعهم ..استمر هدير السيل حتى فجر اليوم التالي . 


خيوط الشمس تنير الكون من جديد.. الوادي أصبح أخاديد غائرة.. بدأت النسوة بالنواح.. السيل جرف طبقة الطمي وتركه عارياً..إلا من بقايا صخور وجذوع أشجار.. روائح الخراب عمَّت الوادي.. بكاء جماعي يتعالى .. الأطفال يصرخون فزعاً .. الكلاب تعوي .. جلس خلف النافذة .. ارتد نظره إلى مصحفه الأحمر يقرأ : \" طوبى للمساكين بالروح.. فإن لهم ملكوت السموات.. طوبى للحزانى.. لأنهم يعزوّن.. طوبى للودعاء فإنهم سيرثون الأرض..طوبى للجياع والعِطَاش إلى البر فإنهم سيشبعون.. طوبى للرحماء لأنهم يرحمون طوبى لأنقياء القلب لأنهم سيرون الله.. طوبى لصانعي السلام فإنهم سيدعون أبناء الله\" .. دمعة هاربة على خده المتغضن .. أنين رياح المنحدرات والجبال البعيدة.. واصل قراءته : \" الله الذي خلقكم من ضعفٍ ثم جعل من بعد ضعفٍ قوةً ثم جعل من بعد قوةٍ ضعفاً وشيبةً يخلق الله ما يشاءُ وهو العليمُ القديرُ \" 

عدة أيام وجدك لا يخرج من بيته ..يقضي ليله ونهاره في ترتيل صلواته .. حاسر الرأس يهتز بهدوء أمام مصحفه الأحمر .. يحادث زوجته المتكورة في الزاوية القريبة . 
- أشعر بحنظلة قريبا منا !! يحضر في صلواتي .. في ظلمة ليلي.
يصمت .. ترد عليه من بين كثبان النعاس بهمهمات غير واضحة . ثم يواصل: 
- ألا تشعرين بوجوده معنا ؟ 
- هاه .. !
- أشعر بروحي تسافر منذ الأزل.. من جيل إلى جيل.. باحثةً عن راحةٍ أبدية.. هاربةً من الشقاء.. كما لو أنها خليط من النور والظلمة.. تبعث السعادة في أحدهم .. وفي آخر العذاب.. إن تلك الروح التي حلَّت في جسدي لم تنقسم يوما كما تنقسم الأرواح الأخرى .. وقد حافظت على توحدها منذ السلف الأول إلى الأبناء حتى اليوم .. لقد عاشت في عصور عدة باحثةً عن يقين .. ولا تعلم ماذا بعد.؟ شقاء دائم ..في طريقه للبحث عن الخلاص.. أزمنة عتيقة رُتلت فيها المزامير.. هل تسمعين؟:
- . 
- الروح التي تواجه الصعاب بالصلوات .. واستيعاب العذاب بالتراتيل ..
تخلق السعادة من العدم .. أتسمعينني ؟ 
- آه .. فقط اتركني أنام . 
أدرك جدك بأنه يحدث نفسه .. نهض ودثرها بلحافه.. تلا : \" الله يبدؤُا الخلق ثم يعيدهُ ثُمَّ إليهِ تُرجعُون \"..\" وهذا ما قاله الرب:\"سأخرب الأرض كلها, لكني لا أفنيها\".. فتنوح الأرض نواحاً وتظلم السموات من فوق. أنا تكلمت ولا أندم ، وعزمت ولا أرجع عنه\" 
* * *
تغلب بعض سكان القرية على خوفهم بالهبوط إلى الوادي.. حملوا معاولهم.. لم يجدوا مزارعهم.. البعض بدأ بتخمين موقع مزرعته كمن يقفز في الظلام.. البعض اعترض بحجة أن الأرض أرضه.. لم تلبث أن انتشرت الخلافات حول تحديد مواقع المزارع التي جرفها الماء.. دوى صوت طلق ناري .. العصافير تفر مذعورة .. وصعد البعض نحو اللسان الصخري..وقف من كان في الوادي .. ومن كان في المرتفعات المطلَّة .. خرج جدك يستطلع الأمر.. أصوات تأتي من السفوح واضحة : 
- لقد قُتلت امرأة وزوجها في الوادي!!
دوت طلقات أخرى .. كانت أشد وضوحاً .. اتضح فيما بعد سقوط قتيل ثالث. 
أحكم الخوف مخالبه على قلوب الرعية ..اختبأ الرجال .. رددت الجبال أخبار قرية حصن عرفطة .. وصلت الأخبار إلى مسامع شيخنا بصنعاء.. وسريعا ما 
أرسل عساكره.. لإيصال وجهاء قريتنا، كما وجه في رسالة يدعوهم إلى عدم النزول إلى الوادي .. واعداً إيَّاهم بالوصول إليهم..والبحث عن وسيلة لتعيين حدود حيازة كل مزارع.. استجاب جميع الرعية ..نشط بعض المتحذلقين في رحلات مكوكية إلى صنعاء ينقلون تفاصيل ما يدور. 
أخيراً وصل أحد أنجال شيخنا برفقة مجموعة من المعاونين إلى دار فقيه قريتنا..نزل عقب وصوله ومرافقيه.. تتبعه مجاميع السكان إلى الوادي الخراب.. أخاديد غائرة ..جذوع ميتة.. أكوام الأحجار تحتل مساحات واسعة.. مسطحات مشوهة .. ارتفعت أصوات الرعية تستغيثه سرعة البت. 
ازدادت المشكلة تعقيداً بتعدد الآراء والمقترحات لتحديد موقع كل مزرعة.. قدم الفقيه مقترحاً يقضي : بأن يبرز كل مزارع ما لديه من وثائق تثبت ملكيته .. وبعدها يتم تحديد حدود كل مزرعة بموجب وثائقها.. استحسن الجميع الرأي.
دوى مكبر صوت المسجد: \" الحاضر يعلم الغائب والصاحي يعلم النائم أن على جميع من يملك أرضاً في الوادي سرعة تسليم ما يثبت ملكيته من وثائق إلى ابن شيخنا.. حتى يتم الفصل وتحديد حدود كل مزرعة بموجب ما تنص عليه الوثائق ...\"
وسريعا ما تقاطر الجميع.. حاملين ما يثبت ملكياتهم .. استمر تسجيل البصائر ثلاثة أيام.. تبقى عدد قليل معلنين رفضهم تسليم وثائقهم.. كان جدك بين الرافضين.. عاد ابن شيخنا إلى صنعاء للتشاور مع أبيه..الذي أمره بالعودة إلى القرية.. لإنذار من تخلف.. واقتياد من صمم على موقفه إليه..جمع الابن أعوانه.. عائداً إلى قرية الحصن للمرة الثانية.. تم إنذار من لم يسلم ما يثبت ملكيته ..استمر إعلان الإنذار يتردد عقب الصلوات الخمس لمدة ثلاثة أيام. 
سلم من تبقى..وبَقيَ جدك الذي صمم على موقفه..انتشرت الوشاية بين السكان وحبك الدسائس.. أضحى للنميمة حيِّزٌ في مجلس ابن شيخنا .. تفاصيل ما تردده الألسن.... أمسى كل فرد يخطط للاستيلاء على غير ما يملك. 
فاوض وجهاء الفقيه جدك.. دون جدوى.. هدد ابن الشيخ في لقاء جمع رعيته.. قائلا:
- شكرا للجميع.. لكنه العطوي الذي يريد أن يشعل الفتنة برفضه تسليم ما يثبت ملكيته.. لقد أوصاني أبي برعيته خيرا ..وأمرني بمعالجة مشاكلهم.. ومنع حدوث أي فتنة فيما بينهم.. وأنا اليوم أقف بينكم محتارا.. إذ لا يمكن أن نبدأ بالنزول إلى الوادي إلا بعد أن يسلم الجميع ما يثبت ملكيتهم .
صمت ابن الشيخ .. منتظرا الرد على ما قاله لهم.. نهض الفقيه متحدثا:
- يجب أن يكون لنا موقف حازم من العطوي.. وأقترح أن يتم اصطحابه معنا إلى صنعاء لمقابلة شيخنا الكبير وهو يقرر ما يشاء. 
اقتيد جدك إلى صنعاء.. وفي مجلس الشيخ لم تحدث مفاوضات.. حين قال لهم الشيخ:
- لن نستطيع إعادة توزيع المساحات الزراعية للوادي إلاَّ بجمع كافة الوثائق.. ومن يرفض سنعتبره عدوا لجميع رعيتي.. وسأعلن عدم أحقيته في الوادي.! 
ساد الصمت..الجميع ينظرون إلى وجه جدك.. يبحثون عما وراء حديث الشيخ.. إلى أن نطق جدك : 
- أنا لست ضد تحديد مواقع المزارع.. لكنني أعرف حدود مزرعتي. 
رد الشيخ مقاطعا.
- لم يعد هناك حدود ظاهرة لمكان مزرعتك..وإن لم تسلم ما يثبت ملكيتك.. لن يكون لك أرض بعد اليوم..وعليك بالرحيل من القرية!
أكمل الشيخ جملته غاضبا..ينتظر.. فرد الصمت أجنحته.. تبادل الحاضرون النظرات والكلمات همسا.. أشار الفقيه بأصبعه صارخا في وجه جدك:
- إذاً أنت تتحدى الجميع.. نحن نعلن براءتنا منك .. وليس فينا من يؤيدك.
هلل الجميع موافقين لما قاله الفقيه. 
عاد جدك إلى الحصن..حين قال له الشيخ:
- ستعود معهم..أرجو أن تفكر في الأمر .. لا يليق برجل في سنك أن يشذ عن الجماعة..ثم وجه حديثه للجميع: 
- بارك الله في رعيتي .. هكذا تكسبون رضاي.
بهذه الكلمات صرف شيخنا من كانوا لديه.
بعد أيام وصلت الوادي مجموعة من المعدات الزراعية ..أخذت في إصلاحه.. احتفل الفلاحون..تم توزيعهم إلى فرق عمل.. تصاعد الغبار..تعالت قعقعة المعدات.. الأهازيج ..استمر العمل ليلاً ونهاراً..استكمل إصلاح مجرى السيل.. إزالة ما تراكم من صخور.. دفن الأخاديد بالطين ..أضحى الوادي خلال أيام صفحة مترامية الأطراف. 
انتظر المزارعون خروج الشيخ لوضع علامات حدود الملكيات.. مرَّت عدة أيام والجميع ينتظر.. بعثوا بمن يستحث شيخنا على الخروج لتوزيع الأرض.. استدعى شيخنا وجهاء الحصن إلى ديوانه بصنعاء..فاتحهم.
- اليوم يجب أن يعرف الجميع..إنني قد أنفقت مبالغ كبيرة على إصلاح الوادي.. وقد طلبتكم اليوم لأبلغكم وأبلغ من لم يحضر عبركم.. أن من يريد أرضاً عليه أن يسلم ما صرفته في إعادة الوادي إلى سابق عهده! لن يكون لأحد أي حق في الوادي بعد اليوم!! لقد كلفني الوادي عشرات الملايين.
ساد الصمت والذهول وجهاء حصن عرفطة.. تحدث أحدهم بصوت خافت وخجول.
- لكننا علمنا أن تلك المعدات تابعة للدولة.. ما تقوله أيها الراعي الكريم لم يكن في حسبان أحد.. ولا يملك أي من رعيتك ما تدعيه!
- ماذا تنتظرون مني؟
- ننتظر كرمك ورضاك علينا!
- اسمعوني جميعكم.. لن أكون قاسياً معكم.. وعلى من يريد أرضاً أن يختار أحد الأمرين! إما أن يدفع ما غرمته.. أو يحرر طلب استئجار ما يريد من أرضي!
- الأرض أرضنا فكيف تحولنا إلى أُجراء؟
- لقد أصبح الوادي من أملاكي.. ومن لديه رأي آخر.. فأذاني له صاغية!
أبتسم شيخنا وهو يشير بكفه بأن المقابلة انتهت..تدافع العسكر بعصيهم وأعقاب بنادقهم.. أخرجوا الجميع يغشاهم شعور بالضياع والمهانة.. صمت إلا من صدى كلمات شيخنا تدوي على مسامعهم..يحاول كل منهم أن يستوعب الموقف. 
* * *
ابني الغالي 
سأعود بك إلى شتاء 1977 لأكمل لك حكاية السجن الأول لجدك .. حينها لم تكن أنت قد خُلقت بعد.. فبعد فرار تبعة من زريبة شيخنا.. طلب منهم تحديد موقفهم مما حدث.. قائلاً لهم مرتعداً: 
- من منكم راضٍ عن المارق تبعة ..لقد شوه سمعتكم.. ومرغ كرامتكم.. فمن منكم يتلمس العذر له ؟
رفع الفقيه صوته مشيرا إلى الواقفين.. قائلا:
- لا يوجد بيننا من يرضى عن ذلك السفيه يا شيخنا..إننا نعاهدك بأن نأتي به إلى بين قدميك حياً أو ميتاً. 
- لن أرضى على من يتعاطف معه.
كان جدك بين الحضور يستمع حزيناً.. أشار الشيخ إليه قائلاً في تهكم:
- وأنت ماذا تقول؟
بجملته جعل الشيخ جدك في مواجهة الجميع.. أسماعهم تنتظر.. وأعينهم إليه تترقب.. صمت ينتظر بإشفاق.
خرج جدك من بينهم صامتاً.. يسير مبتعداً في حيرة.. يتابعه الجميع في دهشة.. صرخ فيهم الشيخ:
- أترونه ينصرف متحديا لكم .. هل شللتم؟ هيا أعيدوه إلي!
التفت جدك إليهم.. قائلا بصوت هادئ:
- لا داعي لأن تعيدوني.. أنا منكم.. ولن أشذ..أتريدون شيء آخر مني.!؟
بهذا تخلص جدك من مصيدة شيخنا الأولى.. لكنه ظل يبحث عن حيلة أخرى.. ابتعد عنهم جدك.. سار وقد ضاعف حقد الشيخ عليه.. عاهد الجميع شيخنا بالاقتصاص لكرامتهم المهانة بين سكان القرى والقبائل المجاورة.. وأنهم سيعيدون تبعة ولو جثة منتفخة. 
تبعة اعتمد عليَّ في تزويده بأخبار الحصن.. كنتُ همزة الوصل بكل ما يدور في قريتنا..ما زلت أتذكر أول لقاء بيننا في مغارة الجن..يومها صعدت بغنماتنا سفوح ومرتفعات الجبال الجنوبية في حذر.. سلكت مسالك خطرة.
اليوم ما زلت أتذكر بعد أكثر من ثلاثة وعشرين سنه كل شيء.. أعيش التفاصيل الصغيرة وكأنها تحدث الآن .. اعتَرَف بأني لم ألفت انتباهه من ذي قبل .. قال إنه كان ينظر إلي على أني مجرد طفلة ساذجة.. يراني مع غنماتنا في منظر يثير الشفقة..أو يراني أساعد أمي.. أو في زيارتهم .
أنا بدوري أخبرته أني لم أشعر به من ذي قبل .. لم يكن كلامي رد فعل لكلماته.. وإن كانت عبارة: \" منظر يثير الشفقة\" قد حزت في نفسي قليلاً حين نطقها.. منذ أول لقاء أرى فيه فتى أحلامي.. لكنني لم أفصح عن مشاعري.. فبعد هروبه من زريبة شيخنا أضحى حديث كل سكان حصن عرفطة..وبالذات النساء.. بل إن بعضهن باركن لي كونه ابن خالي.
في ذلك اللقاء وصلت إليه.. لا أعرف بأنه كان يراقب صعودي في حذر.. يرصد كل تحركاتي من مكانه العالي .. يتشوَّق لمعرفة ما يدور..يراقب الناس .. يراهم كالنمل يتحركون في كل اتجاه .. لا يسمع أصواتهم .. فقط نهيق الحمير تصله ونباح الكلاب.. يومين قضاهما في تشرد وجوع وبرد .. كان يرى الناس ينحدرون إلى الوادي.. يفلحون .. ليعودوا في نهاية النهار.
فرحتي لا توصف حين رأيته على شفة مغارة الجن.. كان يسكنني خوفاً مبهماً.. صعدت باتجاهه.. تركت غنماتي ترعى .. حدثت نفسي وأنا أراه ..\" قد يكون أحدٌ مَّا يتبعني.. يراقبني..\" كان قلبي يرتجف وهو يهبط نحوي.. في البدء ارتفع صوتي أدعو كلبي أن يأتي إليَّ .. قذفت بحصوات صغيرة في الهواء .. أدندن كيفما اتفق .. ليلهو الكلب حولي.. لوح بكفه مبتسماً.. تقدم نحوي وهو يلوح بيديه.. خف الشعور بالخوف .. تبخر اضطرابي.. هذه هي المرَّة الأولى التي عرفت فيها أنني أنثى أقابل تبعة كذكر.. لا أعرف لماذا الآن ولدت الأنوثة ؟ أخذت أرتب كلماتي..وجدت فمي بدأ بالنداء: 
- تبعة..تبعة . !
لوَّحت له بارتباك . يا لقوة إرادته .. أشار إلي صارخاً دون ذعر: 
- سمبرية !!
تقدم نحوي وكلبي يلعب حولي .. مَدَّ يده ليصافحني .. نظرت إلى عينيه.. اجتاحتني سعادة لم أعرفها من ذي قبل.. هو ليس ذلك الصبي الذي خشيته للتو.. بدأت أحكي له.. كما لو كان علي أن أحكي فقط.. عرف مني أن الناس ينظرون إليه كما ينظرون إلى من فقأ أعينهم.. وأنهم يعتبرونه خصم الجميع .. وبفراره من عقاب شيخنا قد أذلهم وأهانهم أمام سكان القرى المجاورة ..وأنهم يبحثون عنه للانتقام منه. 
كنت أفند آراء سكان الحصن .. لم يسألني عن رأيي.. حين أكملت سرد معلوماتي.. صمت في ضيق.. ثم قال: 
- وأمك ؟!
دوائر الدهشة تتسع.. لماذا أمي؟أجبته في ارتباك:
- أمي.. تعتبرك مارقاً ..تعلن إشفاقها على أخيها. 
- وزوجة أبي . 
- هي من طلبت مني بأن آتي إليك.. تدعو لك كثيراً. 
- وأبي!!
- لا يتكلم إلا قليلا.. لقد فرض عليه إعلان تبرئته منك نوعاً من الشك!
- إذن شيري علي. 
- أنا!!
- نعم.. أنا مشوش..أشعر بالضعف.
- إنهم ينوون الشر بك !
- إلى متى أظل هنا؟ 
- لا أعرف..أين تنام ؟ 
- في هذه المغارة .
- والبرد .
- مقدور عليه. 
- من أين لك بالطعام ؟
- ألاحق العصافير والجنادب .. جربت ثمار بعض الشجيرات .. تذوَّقت أغصاناً عدة.. جرَّبت نزول الوادي ليلاً..أجمع ما أجده من بعض الخضر.
في ذلك اليوم شاركني طعامي. 
كان حريصاً على أن أبقى معه أكثر وقت ممكن.. لكنني ودعته في خوف من العيون .. اتجهت غربا .. منحدرات سحيقة .. كنت حذرة من ذكر لقائنا لأي كان.. يرقبني حتى اختفيت في الشعاب الغربية .. كنت أفكر في حالته على قمم تلك الجبال.. تحاصرني ملامحه الحزينة.. كلماته..وجهه المدور الناحل..نظراته إلى عيني..صوته يودعني.. نمت ليلتها بصعوبة.. أتخيل ذلك الصبي وحيداً.. يكاد قلبي ينخلع من الخوف عليه . 
في اليوم التالي صحوت قبل شروق الشمس ..رائحة دخان المواقد.. خرجت أراقب الجبال الجنوبية من سطح بيتنا..لا أرى شيئاً .. لم يحتمل قلبي ما يحمله..هبطت أخبرت زوجة جدك:
- سأكرر زيارته اليوم.. هل من رسالة أو تزويدة طعام؟

قالت لي:
- لا بأس .. لكن عليك بالحذر.. ويجب أن تباعدي بين الزيارة والأخرى. 
خرجت بأغنامي وأنا مشغولة به.. لم أختر شعاب الأمس الغربية .. اتجهت نحو السفوح الشرقية .. قطرات الندى على كل شيء.. الصخور .. أوراق الأعشاب.. الزهور.. عصفور ينفض ريشه على صخرة قريبة .. يغرِّد .. يلتقط فراشة ثم يطير .. حدثتُ نفسي بزيارته.. خططت.. سأقوم بمناورة للوصول إليه..كانت الشمس تصعد وجه السماء وأنا أسير بأغنامي بعيدا..كنت على يقين من أنه يراقبني.. شيء من الحزن.. انحرفت قليلاً نحو التلال .. دخلت بأغنامي شعباً كثيف الأشجار.. صعدت سفوح جبل مغارة الجن.. ثم انحرفت شرقاً باتجاه موقعه.. رأيته عالياً.. هبط نحوي فيما كانت أغنامي ترعى .. الكلب يسابقني إليه .. فاجأته حين أخرجت من تحت بردعة الحمار بندقية جدك .. شريط رصاص .. لحافاً .. وكيس خبز وسكيناً .. عدة علب كبريت .. شعر بأني صبية يعتمد عليها .. قال لي هذا ما كان ينقصني .. كانت عيناه حزينتين رغم ابتسامته المتكررة.. كلماته مرتبكة .. لا ينظر إلى عيني..قلت له: 
- لا أحد يعلم بمكانك إلاَّ أنا وزوجة أبيك.. وأبوك.
- وأمك.. ؟!
- أمي.. أرجوك لا تعتقد أنني ضعيفة حتى أحكي لها.
- لكنها أمك.. وإلا من تحدثين !
- أنا أعرف كيف أخفي أسراري منها.
- متى ستزورينني ؟ 
- زوجة أبيك.. هي أدرى. 
- كيف ؟
- بعد اليوم هي من توجهني .
- سأنتظر عودتك.
- بقاؤك هنا خطر على حياتك. 
- وما هو العمل؟
- هل تعتقد أنك تستطيع التخفي إلى الأبد ؟ غدا سيصلون إليك..هل تنتظرهم حتى يحاصرك رصاصهم؟
- سأتنقل من جبل إلى جبل!
- مهما تنقلت هنا أو هناك..سيصلون إليك حتماً!
- إذاً أعيدي البندقية والرصاص!
- لمَ؟
- سأرحل من هنا.. لا أحتاج لها!
- أين سترحل؟
- سأرحل من هنا بعيداً .. لكني لا أعرف طريقاً أسلكها؟!!


شيخنا
\"4\"ولدي الغائب..

لم يجرؤ أحد من سكان قريتنا العودة إلى صنعاء لطلب الأرض من شيخنا.. إلا أن عدد ممن لا يملكون أرضاً في الوادي رابطوا أمام بيته لعدة أيام..حتى خرج لمقابلتهم:
- ما ذا تريدون من إلحاحكم؟
انبرى أحدهم يتكلم باسمهم.. قال في صوت خافت.. وعيناه في الأرض مصوبتان:
- نستعطف كرمك.. نستجدي إحسانك.. فنحن لا نملك أرضاً في هذه الدنيا.. ونرجو أن تجود نفسك الكريمة بإعطائنا أرضاً نعيش مع أسرنا منها.
- لن تعودوا خائبين .. سأعطيكم ما تريدون.. وعلى كل راغب تحرير صك استئجار بالمساحة التي يحددها .. على أن يسلم لي نصف غلة ما تنتج الأرض في كل موسم.. وله ولأولاده النصف الآخر نظير عمله وعنايته بالأرض. !
علم سكان القرية .. تسابق عدد آخر لاستئجار أرض أخرى من شيخنا.. تم تحرير عقود الأرض لدى فقيه قريتنا.. تقاطر عدد آخر من السكان.. لجأ البعض لاستشارة جدك.. حدثوه بيأس عما يشعرون به من غبن وقهر..وأن عدداً كبيراً ممن لا يملكون أرضاً قد استحوذوا على أرضهم..قال لهم وهو يبتسم:
- ماذا تتوقعون أن أقول لكم.! إن ماء البحر يروي شاربه عطشاً .. وسراب الصحارى دعوة لملاحقة الوهم .
- لكننا أتينا إليك كي نعاهدك على المضي في استرداد أرضنا.. ولم نحضر لسماع المواعظ . 
- سيقول أحدكم: نحمل البنادق لنسترد مزارعنا .. ويقول البعض بل نحرق منازل كل من استأجروا الأرض من الشيخ.. وآخر يفكر بالانتقام من الشيخ نفسه .. وأنا أقول لكم احملوا المعاول وهيا نفلح الوادي .. ولن يكون أحد رحيماً بكم إلاَّ إذا تراحمتم .. لا تعطوا الآخر ذريعة سلبكم ما تملكون.. اصبروا.. تحابوا. 
- لن يتركنا المرتزقة.. وعساكر الشيخ. 
- دعوهم يفعلون ما يشاءون .. من سقط دون حقه أو عرضه فهو شهيد .
- هل ستأتي معنا إلى الوادي ؟ 
- نعم سأهبط المنحدر وأعمل على إصلاح أرضي.
اعتلت الشمس عرشها .. صبغت كل شيء بنورها.. الكل يجرح الأرض بمعوله..الكل يعمل بهمة .. استمر العمل لساعات ..اعترض بعض أجراء الأرض..بدأت اشتباكات متفرقة.. ثم دوت طلقات رصاص .. رددت صداها الجبال.. رفع الجميع قاماتهم .. ارتفعت أصوات تتساءل .. صرخات من أعلى الوادي.. ما لبثت أن تحولت إلى عويل ونحيب متواصل.. هرول البعض يستطلع الأمر نحو مصدر الرصاص.
- لقد قُتل أحدهم. 
قالها أحد العائدين من مسرح الدم. 
- من القاتل ؟ 
- لم يجزم أحد عمن يكون الفاعل .
- علينا أن نلزم الحذر . 
- ستنجلي الحقيقة ولو بعد حين . 
دوت طلقات أخرى .. ثم تلتها طلقات متتالية..انسحب من في الوادي . 
قبيل مغيب الشمس وصل عدد من الملثمين على سيارة جيب إلى ساحة قرية حصن عرفطة.. قيل إنهم من رجال شيخنا أرسلهم لحقن دماء رعيته.. وقيل إنهم من طرف الحكومة..اختبأ السكان في منازلهم..اتجه الجنود إلى بيت جدك.. لم يستأذنوا أحداً.. كسروا الباب.. اقتادوه حملا مصحفه الأحمر تحت إبطه.. وضعوه في حوض عربتهم ومضوا متجهين به إلى صنعاء .. حاولت زوجته منعهم.. تعالى نحيب النساء.. سكان القرية احتموا خلف نوافذ منازلهم.. لم يجرؤ أحد على الخروج.
امتنع المزارعون بعد ذلك اليوم عن نزول الوادي.. أجراء الأرض هم من سيطروا على مساحات الوادي.
لم نعرف لمكان جدك طريقاً.. مرت عدة أسابيع من البحث قبل أن يهمس أحد الأجراء أنه رافق شيخنا ذات مساء إلى قبو فسيح تحت داره بصنعاء.. وقد شاهد جدك هناك بملابس مهلهلة .. تعلوه طبقة من السخام.. شعر رأسه الأبيض مشبع بالأتربة .. شعر لحيته كتلة.. عيناه تسافران إلى ما لا يرى .. وقد ألحق به سجينان لا يعرف من أين أتي بهما.؟ أحدهم يحدث الفراغ .. الجدران .. صوت متواصل..يتدفق حديثه دون وعي.. أما الآخر فبعين واحدة.. واسعة بشكل ملفت .. يسير كضبع يبحث عن منفذ .. يكرر خطواته طوال الوقت.. لا يعرف سبباً لاحتجازهما. 
وأنه سمع شيخنا يحادث جدك .. مشيراً إلى السجينين..قال مبتسماً :
- ألا تنزعج من تصرفاتهما؟
- !
ثم أردف ساخرا:
- لم لا ترد عليَّ؟
- !!
- سأراك يوما وقد شاركتهم هوسهم هذا!
- !!
كان جدك منهمكاً بين صفحات مصحفه الأحمر يغمغم بصوت غير واضح.. لم يرفع وجهه.. تركه الشيخ جزعا.
ولدي الغالي.. 
حين سمعت تلك الحكاية..فقدت طعم الحياة..أمسيت في بيت لا يسكنه إلا الألم .. جدك في مكان ما في هذه المدينة..أمي انطوت على نفسها حزناً لحالة جدك.. تبعة لم يتصل منذ غادرنا بعد وداعك.. ولهذا أشعر بالوحدة الممزوجة بالعجز.. أحاول استعطاف شيخنا.. أشيع في الأيام الأخيرة أن شيخنا أرسله إلى سجن الدولة.. ذهبت وحيدة إلى أطراف المدينة حيث موقع السجن الكبير.. لم يجبني أحد..كررت المحاولة..اكتشفت أنه ليس هناك كما أشيع.. ودوماً أسأل نفسي: ترى لو لم تغادرنا إلى العراق ؟
وحيدي .. 
أشعر بالقهر.. وحيدة دون معين.. حتى وعدك بمهاتفتنا لم يتم.. أنا على يقين من أنك حاولت .. سأظل أنتظر صوتك.. وعندما يصلني ستزهر نوافذ روحي .. ثم لا يهم أن تتصل بعد ذلك.. لن أحدثك عن عذاباتي..أو أشغلك بما يدور هنا .. فقط أطمئن عليك.. عن تحصيلك العلمي .. تفاصيل حياتك اليومية..أن تصف لي أمكنة تتردد عليها..أناساً تعايشهم.. سكنك ..قاعات الدرس..الشارع.. فتاة طرأت على حياتك.. فقط أن أطمئن عليك . 
ابني المتخفي بثوب الصمت.. 
نحن في نهاية فصل الصيف.. والليالي أقصر مما يجب .. أمي.. تقضي جل وقتها في صمت .. وحين تنطق فإنها تتمتم بصلوات لله أن يزيل محنة جدك.. لم تعد أمي كما كانت تحاصرني بأسئلتها التي لا تنتهي: أين تذهبين ؟أين كنتِ؟ مع من.. لماذا تأخرتِ؟.
كانت دوما ما تحدث صديقاتها عن كل ما يدور في بيتنا وما تفكر به.. تخبرهن بأدق خصوصياتنا .. حتى أنها عودتني أن أعيش معها في قلق دائم.. كما لو كانت تحاصرنا عشرات مكبرات الصوت أو أن جدران بيتنا من زجاج..كنت أحاول أن أغير من طبيعتها..أن أشرح لها خطورة ذلك.. عما يجب إذاعته وما لا يجب.. لكنها تقاومني.. فجأة انطفأت رغبتها في الحديث .. حتى الخروج.. واهتمامها بالتفاصيل الصغيرة.. حاولت..مساعدتها.. إعادتها إلى سابق طبيعتها ..اصطحبتها إلى أحد الأطباء.. قال لي: \"أمك تعرضت لصدمة فوق قدرتها.. الإنسان جسد وروح.. قد يُجرح الجسد فنرى ذلك جلياً..لكن انكسار الروح لا نراه لكنه يتجلى في مثل حالة أمك.. عزوفها عن التواصل مع محيطها.. عدم الاهتمام بنفسها..كل ذلك وغيره مؤشرا لانكسارها..\"
حكيت له ما تعرضت له أمي في ماضي حياتها.. أبحث عن سبب لذلك: فقدان أبي وهي في ريعان صباها.. سجن جدك الأول في عام 977ا.. تدمير بيتنا في حصن عرفطة.. ظنها بي الظنون.. السجن الحالي لجدك بعد اختطافه قبل عدة أشهر.. قال:
- قد يكون كل ما ذكرتِ .. وقد يكون اختطاف أخيها وعدم معرفة مكانه.. عدم معرفة مصيره.. الحدث الذي أنهى كل شيء. 
- وما العمل؟
- تجنبونها كل خبر يزيد من سوء حالتها.. وتحاولون إبلاغها بكل تقدم في البحث عن السجين.. ومتى ما وجدتم أخباراً جيدة زودوها .. لا تلجأوا للمبالغة.. حاولوا دمجها في حياتكم .. ادعوا صديقاتها للحديث معها .. وأنا بدوري سأكتب لها بعض العقاقير المساعدة..كما أني على استعداد لأي مساعدة .
سؤال يحيرني.. لِماذا يلجأ الفرد للصمت كوسيلة لرفض الواقع..؟ كلكم هكذا .. وكأنها خاصية تخصكم.. تبعة تَعَود على عدم التواصل بنا..أمي تنكسر لتنكفئ على نفسها.. أنت أيضا اخترت الصمت.. لماذا علي وحدي أن أظل في موقع المنتظر..أنا لا أحب ذلك .
ولدي الحبيب ..
بالأمس اكتملت السنة الأولى على مغادرتك إلى بغداد.. كل يوم يمر علي دون صديق.. لا أريد أن ترسخ الأيام يقيني بأني سأعيش هكذا وحيدة.. لم أعد أجد من أتحدث إليه.. أثرثر لأمي.. لقد هجرت سياسة الكتمان.. أجلس إليها.. أحكي ما كنت أخفيه منذ سنين.. علاقتي السرية بتبعة..ب(خمينة) ما كنت أخفيه عنها منذ سنين .. تهز رأسها وهي تستمع إليَّ .. تنظر إلى عينَي.. ترسم شبح ابتسامة.. ثم تغمض تغوص في ستائر النوم.. أحتضنها.. لا أحد يسألني: على مَا تبكين .؟
أنهض أهز رأسي.. أبتسم من جديد!!
سعال أمي المتقطع بين الفينة والفينة يعيدني لواقعي.. أسرع إليها.. أشعل نور غرفتها .. تنزعج وقد رفعت كفها تخبئ عينيها من وهج النور.. قررت الاستعاضة بضوء أصابع الشمع: \"هل تريدين شيئاً يا أمي؟\" 
تهز رأسها دون أن تنظر إليَّ. 
أطفئ الشمعة دون أن أقفل باب غرفتها ..أتركها لعالمها . 
أدركت اليوم كم أمي مهمة بالنسبة إلي .. وكم أنا بحاجة إليها.. إلى أم بكل طبائعها..بكل ثرثراتها.. كم أنا بحاجة إلى من يحادثني.. يسألني عن أدق خصوصياتي.. يستمع إليَّ.. إلى من يخاف عليَّ.
لقد عرفت اليوم أنها لم تكن تقصد أذى أحد بتلك الثرثرات.. فقط كانت تبحث لنفسها عن دور .. تحاول تحقيق ذاتها .. يكون لها مكانة في محيطها.. تظهر لمن حولها أهميتها.. وأن لديها ما تقوله. 
اكتشفت مؤخراً أهمية أن تكون لك أم.. تخاف عليك كما لو كنت طفلاً.. لقد تعودت خوف أمي منذ وعيت.. تعودت رؤية زرقة السماء في عينيها.. مواسم الزراعة .. هطول مُزن السماء ..أن أستنشق رائحة الحقول معها .. وبعد استقرارنا في صنعاء.. أرقبها خارجة من حلق الباب.. أو عائدة من زيارة صويحباتها .. منكمشة بداخل ستارتها المزخرفة بألوانها الهندية.. أسئلتها التي لا تنتهي.. اليوم أشعر بالوحدة تنخر عقلي وقلبي. 
وأنت الآخر تخيفني بصمتك .. لكنني على يقين من أنك بخير ..وأن صوتك سيتدفق يوما عبر الهاتف.. تحكي عن نجاحك في دراسة الطب.. وأنك لم تنس أمك.. ولست حنقاً منها.
تبعة لا أعتب عليه كثيراً.. وإن كان هجره لي يميتني..هو تترصده البنادق منذ أكثر من عشرين سنة .. لم أعد أعرف ملامح حياته..حين دعوته لوداعك ..كنت أخطط لإبقائه إلى جواري في صنعاء..أن يعيش معنا.. كنت أجزم بأنه لن يغادرني.. لكنني لم أجد تبعة الذي كان.. لقد غادرنا ذات يوم.. ليعود شخصاً آخر أبحث له بداخلي عما يشفع له..لقد غادرني بعد وداعك دون اهتمام ليؤكد لي ضرورة نسيانه. 
أمي عاشت حتى الآن ثلاث حيوات .. لا أحد يعرفها: طفولتها وصباها.. وهذه المرحلة لم تختلف عن حياة أي صبية.. لكنها اقتحمت بواكير مراهقتها بقصة عاطفية كانت حديث سكان حصن عرفطة .. فحين كانت راعية عصف بقلبها الحب .. هامت عشقاً بأبي .. الذي كان هو الآخر راعي أغنام .. لتشهد الجبال المحيطة ووديانها قصة حب قوية .. ليتزوجا وتعيش معه ثلاث سنوات فقط.. ثم يغادرها دون استئذان.. أنا لا أعرف ملامحه.... فقد قُتل في ظروف غامضة ليجدوا جثته وقد اخترقها الرصاص.. سُلِخ وجهه.. وقُطع (... ) حينها كانت أمي حامل بي .. لتعيش بقية حياتها أرملة.. يخشى ثرثرتها الجميع..المرحلة الثالثة من حياتها.. الرحيل من القرية واستقرارنا في صنعاء حين سُجن جدك في المرة الأولى.. ثم هذه المرحلة التي تعيشها منكفئة على نفسها منذ سجن جدك في 2001.. وهي مرحلة العزوف وعدم الاهتمام بنفسها .. قد تكون ملَّت الحياة.. أو أن حواسها تنبئها بمستقبل لا يُحتمل .
أخاف على أمي .. وأشفق عليها .. اليوم تقبع في زاوية فراشها كجثة تنتظر الموت.. يضج الصمت حولها..لا أدري لماذا أتوقع نهوضها في أي لحظة.. أن أسمع صوتها.
فقط سعالها المتقطع ما يوحي بوجودها.. هي لا تشكو من شيء.. أجالسها .. أحاول استثارتها .. تنظر إليّ بعينين صافيتين.. تبتسم.. أتمنى أن تبادر إلى مشاركتي ما أطرحه .. تبادلني النظرات.. ونادرا ما ترد عليَّ بكلمة تشبه الأنين.. أشعر أن بداخلها بئراً عميقاً وأن عليّ ردمه بالكلمات تلو الكلمات .. أتذكر كلمات ذلك الطبيب..\" لقد انكسر شيء بداخلها\" ..أسأل نفسي: كيف يمكنني إصلاح ذلك الذي انكسر؟ أكاد أجن من صمتها.. أين الخلل ؟ ومن أين لي بأم ذات خصائص ترضي ميولي؟ أم أن الإنسان إله صغير لا يرضى عن مكانته حتى يصل إلى مرحلة الخالق لما يشتهيه!!
يحاصرني الإحباط .. يحكم قبضته.. أصعد الدرجات الخمس عشرة .. أزور الغرفة العلوية .. صورة معلقة لرجل سبعيني .. يزم شفتيه محاولاً إخماد ابتسامة بداخله.. تعتلي رأسه ربطة مبرقعة باللون الأحمر .. عيناه تنظران عدسة عيني .. ذقنه المشذبة تتعامد شعيراتها في انسجام .. ذلك هو جدك.. صورة أخرى لصبي يحتضن سنواته الأربع عشرة .. شعره المنكوش..أنفه اللافت الطول.. وأغصان القات يحتضنها عند صدره .. ذلك هو أنت في مرحلة دراستك الإعدادية.. صورة أخرى للسبعيني يقف إلى جوار الصبي\"أنت\" وسط غابة أشجار القات..بنفس الأنف.
وهكذا.. لا توجد أي صورة لأنثى في بيتنا.. أخرج.. أهبط الدرجات المعتمة .. أقصد غرفتك في الطابق الأرضي .. رغبتي بالبكاء تدفعني إلى الارتماء أرضاً .. لا أود أن يسمعني أحد.. أبتلع حزني .. لا أجد ما أفعله.
يضيق بي البيت الصغير .. أقف على باب غرفتها.. تطيل النظر في ابتسامتي .. ثم تعود محدِّقة إلى سقف الغرفة .. تعود بي الذاكرة إلى أيام خلتْ.. حين كانت تنتظرني خلف الباب.. ترصد كل تحركاتي .. زخات من الأسئلة .. تشع كلماتها بالشك من كل شيء ..كان لتفكيري بالخروج لذة..أتحايل عليها حتى تسمح لي. 
اليوم لا يهمها خروجي .. حتى أنها أفقدتني تلك اللذة .. أليوم أسأل نفسي عدَّة أسئلة قبل أن أقرر الخروج ..عن جدواه.. لقد أضحى الخروج دون طعم.
في بداية انكسارها كثرت زيارة صديقاتها لها.. يأتينها.. يحلقن حولها .. تتداخل الأصوات .. ترقبهن في صمت .. ينسين وجودها .. يحتدم النقاش .. ثم يمضين كلٌ في حال سبيلها .. ليتناقلن حالتها بشيءٍ من الرأفة الممزوجة بالتشفي.. مؤكدات سبب ما هي فيه هو عدم دخول الملائكة بيتنا لإيمانهن بأن كل من في بيتنا يؤمن بالأفكار الشيوعية.. ولهذا يعتقدن بأن لعنة ما قد حلَّت على روح أمي.. خفَّت زياراتهن حتى تلاشى وقع أقدامهن وانقطعت أصواتهن. 
تنفيذا لنصيحة الطبيب.. طرقت عدة أبواب بالبحث عن مكان سجن جدك.. علّي أعود إليها بما يشفي حالتها.. طرقت أبواب شيخنا.. كررت إلحاحي.. مرَّت أشهر وأنا ألح.
صادفت إحدى النساء عند أعتاب بيت شيخنا.. نصحتني بالبحث عنه في سجون المدينة.. قالت لي هناك عشرات السجون الملحقة ببيوت المشائخ والوجهاء.. وعدد آخر تابع لعدة جهات متنفذة..قضيت أياماً بالبحث.. زرت عدداً كبيراً من تلك السجون التي كنت أجهل وجودها .. لم أجد ما يشفي غليلي.. أخبرني أحدهم عن عشرات السجون السرية.. منتشرة في معظم أحياء صنعاء.. في دور يلفها الغموض.. ليست بمعزل عن التجمعات السكانية.. هي دور مثل كل دور المدينة..لا يسمح بالاقتراب منها.
اكتشفت أن صنعاء متاهة مخيفة.. وأن علي الحذر.. ومضاعفة جهودي في البحث عن مكان جدك. 
زوجة جدك قدمت أخيراً من قرية حصن عرفطة.. كان ذلك في بداية فصل الشتاء2002.. حملت معها هموماً كثيرة.. هي الزيارة الأولى بعد سجن جدك الأخير.. أحسست بتغير تلك المرأة التي كانت كتلة من الحماس والصبر.. بكت بين يدي كثيراً..لم أتخيلها يوما تبكي.. حين كانت تضيق بي الأرض أو بأمي كانت هي نافذة الأمل التي نطل منها .. جلست فور وصولها إلى أمي.. غير مستوعبة حالتها .. كانت أمي تبادلها النظرات.. لتعود لسباتها.. تستخدم إيماءات وجهها.. أو هز رأسها .
سألتني زوجة جدك في صوت حزين:
- ما هو العمل لإعادتها إلى ما كانت عليه؟
تظاهرت أنا بالتماسك وأنا أحتضنها.. أجهشت باكية.. قلت لها مواسية:
- لا يجب أن نركن للدموع.. تشربت صبرك منذ صغري.. تعلمت منك كيف أجابه الحياة.
لم ترد علي.. واصلت حديثي: لقد طرقت أبواب شيخنا .. زرت سجوناً كثيرة.. سجون المشائخ والوجهاء.. لم أجد أثراً لخالي.. تبقت بعض السجون السرية.. قد يكون قابع في إحداها.
رفعت وجهها ماسحةً دموعها.. غيرت صوتها وهي تحدثني:
- إذاً علينا أن نبدأ من جديد.. نطرق جميع الأبواب.. أنا على يقين من أن عودة العطوي سيعيد لنا تماسكنا.. وسيجعل أمك تعود إلى سابق عهدها.
أدركت أنها تفكر بشكل جيد.. وأن ما تواجهه من ضغوط نفسية لحياة الوحدة لم يؤثر عليها كثيراً.
تركتها تهدهد أمي.. أسترق السمع علَّ أمي تتكلم.. كانت تناغيها بصوت هامس.. تذكرها بحياتهن المشتركة في القرية.. مرحلة الصبا.. الليل طويل وصوت زوجة جدك أكثر حزنا.. شعرت بالخجل من تنصتي.. انسحبت . 
حين أشعر بظلمة ما حولي.. الجأ إلى غرفتك.. أبحث عنك .. أتخيلك كما كنت تجلس جوار النافذة وقد بعثرت دفاترك .. تاركاً جهاز الكاس
 

كامل الحقوق محفوظة                                               تصميم مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي