ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان اقتحام الأدب العربي للرواية في أول الأمر مشوبا بالقلق والتوجس حين أصدر ( محمد حسين هيكل ) روايته الأولى
" زينب " ولم يصرّح بداية باسمه بل اكتفى بمسمى ( مصري فلاح ) حيث كان الناس آنذاك يقرأون الرواية المترجمة فقط من الأدب الفرنسي والتي يصدرها " المنفلوطي " مترجمة للعربية حتى بدأ الاهتمام بهذا الإنتاج الأدبي الجديد على أيدي كتاب آخرين .
أما القصة القصيرة في الأدب العربي فلم يكتمل نموّها وبناؤها الفني إلا بعد نضج الرواية ، إذن ريادة فن القصة القصيرة الفنية جاءت متأخرة ولم تبرز إلا بعد الرواية ، كما يعزى السبب في تأخر الرواية العربية عن باقي الفنون الأخرى إلى أنها كانت لا تزال مجهولة المعالم في الأدب العربي ، وكما قيل : " كل أدب جديد فهو عدائي " ، واقتحام الجديد وطرقه مقلق من حيث تقبل الذوق له ، ورغم أن القصة القصيرة كان لها جذور ضاربة في القدم منذ زمن إلا أن شكلها الفني لم يكتمل إلا حديثا .نخلصُ من هذا إلى أن نشوء أيّ فن جديد أو نموّه منشأه الإنسان ذاته ، واحتلاله الصدارة أو تأخره منشأه الإنسان ذاته أيضا تضامنا مع حاجات الناس في المجتمع وتطورهم السريع ، وعلى ذلك فاكتساح الرواية لساحة الأدب اليوم بشكل ظاهر إلى الحد الذي جعل القاصي والداني يغريه الخوض فيه ولو لم يوفق في ذلك ربما يكون منشأه الرغبة في التغيير لما كان مطروقا ، أو الجنوح للاستفاضة ، أو مسايرة ما هو دارج ، أو محض تقليد ليس أكثر ، أو جرأة في المغامرة بما هو محبذ ، أو حتى ميل لذوق المتلقي الذي لا يثبت على مزاج واحد ، وفنون الأدب كأي شيء آخر يبدأ مضيئا ثم يخبو شيئا فشيئا وقد يستحيل محاقا ، وهذا لا يعني أنه لا يعود مضيئا متوهجا كما كان ، وفي ردهات المحاق المظلمة قد يبزغ ما يمكن أن يتوهج به المكان ، فظاهرة توهج الرواية وخفوت القصة أو العكس ظاهرة غير ثابتة بل قابلة للتغير الأكيد ، لأن ذوق المتلقي هو الآخر غير ثابت على لون واحد ، ومتطلبات العصر الحديث أيضا وهذا يعتبر الدافع أحيانا لطروق فن أكثر من آخر ، بدليل ولادة فن القصة القصيرة جدا أو الأقصوصة في كنف القصة القصيرة ، من هنا يبرز التباين بين مريدي الرواية باستفاضتها والأقصوصة بتكثيفها وإيجازها الشديد ، فمَن منا ينفي وجود بل تنامي هذا اللون الجديد في ظل انتشار الرواية وطغيانها على الساحة ؟ بل واهتمام المنظرين لخصائصها وتكنيكها كفن يحق له الثبات والنمو كما اهتم به الدكتور أحمد جاسم الحسين صاحب كتاب " القصة القصيرة جدا " كمحاولة لوضع قواعد لهذا الفن ؟إذن لا يمكن استبعاد فكرة طغيان الأقصوصة على الساحة الأدبية ذات يوم بل ومضارعتها لمكانة القصة القصيرة
والرواية مادام للمتلقي ولذوقه دور كبير في إدارة دفة عطاء الكاتب حسبما يرغب في بعض الأحيان وحسبما يسمحُ به وقته المسروق بمتطلبات حياته المتسارعة الراكضة بلا متسع يسمح له إلا بومضة مكثفة تغذي عقله وفكره ووجدانه ، وهذا يفسر أيضا اقتحام بعض الشعراء ومَن كانوا يهيمون في وادي عبقر لفن القص كإرادة للتغيير ، أو رغبة في إرضاء ذوق المتلقي ، أو إثبات للقدرة على الإبداع في كل فن ، أو لأي سبب آخر يخص الكاتب نفسه .
أختمُ بالقول السائد : " دوام الحال من المحال " ، وبأنّ لكل فنّ محبّيه ، ومَن يهوى القمر لا يمكن أن ينأى عن الشمس ؛ فالكون مضيء بهما ، ومساحة الأدب صفحة مشرقة بكافة فنونها حتى وإن توهجَ فيها ضوءٌ وخفتَ آخر ، فهذا يعطيها حِراكا جميلا يلفت الانتباه ، كذاك الحراك الجميل المنبعث من بريق النجوم في صفحةِ سماءٍ هادئة ، فلا تبهتُ ألوانها ثم تتلاشى جاذبيتها وألقها فتصبحُ صورة جامدة لا تسترعي أحدا .